صقيع: تجربة إبداعية عربية جديدة

 

د. سعيد يقطين

 

1 . في الممارسة:

 

    حين تنشط رابط النص للدخول إليه، يبدأ يتحمل أمام ناظريك، هل أقول يتجمل، بحركة وديعة هادئة. وكلمة "صقيع" تنكتب حروفها ببطء، حرفا حرفا ومن اليمين إلى اليسار، بينما يتحرك مؤشر عد التحميل من اليسار على اليمين. ها أنت ترى النص يتكون أمام عينيك، وأنت تشاهد عملية تشكله وتخلقه بالتدريج مدخرا آفاقا انتظارية لا حصر لها.

    بعد انتهاء التحميل الذي لا يتعدى ثواني معدودات تبدأ المناصات العتباتية تتناصل واحدة تلو أخرى بصور متتابعة وخلفيات فضائية متباينة، فتجد نفسك أمام: الكاتب المؤسسة. إنه في آن معا: كاتب ومؤلف ومنفذ ومخرج يستعين في عملية إخراج النص وتحريكه بعمر الشاويش . لا يمكنك على هذه اللحظة إلا التأكد أننا أمام "نص" جديد بكل المعايير .

1 ـ نص متحرك، يتوسل بالصورة والصوت والكلمة المكتوبة والمنكتبة. إنه نص متعدد العلامات بالمعنى الدال على ذلك فعلا وقولا.

2 ـ كاتب وزيادة، يكتب النص، ويؤلف عناصره العلاماتية، وهو نفسه الذي أقدم على تنفيذها وإخراجها، ويستعين في إخراج نصه بعمر الشاويش على تحريك النص ومختلف أجزائه القابلة للحركة، تماما كما كان الكاتب يستعين بالطابع والناشر لإخراج العمل. إنه كاتب وفنان ومخرج.

3 ـ وسيط: يتخلق النص المتعدد بواسطة وسيط جديد للإعلام والتواصل هو الحاسوب، عبر عتاده وبرمجياته وبفضاء شبكي (cyberspace ) يسمح لكل مستعمل أن يراه وفي الوقت نفسه حيثما كان في العالم.

   كل هذه العناصر تتداخل وتتضافر مجتمعة لتجعلك تجد نفسك أمام نص مختلف عن الكتاب الذي ألفت التعامل معه في "قراءة" النص. إنه النص الجديد وليد عصر المعلومات ومجتمع المعرفة: نص، وأنت تمسحه بعينيك لتملأهما بالصور المتلاحقة، تصل إلى مسامعك خلفياته الصوتية المصاحبة والمتنوعة، وأنت تحرك شفتيك بصمت لمتابعة حركات النص المكتوب أو المنكتبة حروفه أمامك بالتدريج. وحين تختار الضغط على زر الفأرة لتنشيط كلمات ملونة بغير لون النص، تنتقل إلى الفضاء الرحب والمفترض الذي يفتح أمامك آفاقا غير مرئية ولا متوقعة وقتها.

    ينبني النص الجديد، بكاتبه الجديد وبوسيطه الجديد وبرمجياته وتقنيات إبداعه الجديدة، على تعدد عناصره ومقوماته المتفاوتة الطبيعة والوظيفة وعلى تداخلها وتكاملها أيضا. إن كل ذلك جماع المكونات المتكافئة الأطراف والمتنوعة العلامات.

   يستدعي هذا التنوع والتعدد في صياغة النص الجديد "القارئ الجديد"، والناقد الجديد واللغة النقدية الجديدة. إن قارئ نص "صقيع" يختلف عن قارئ النص المطبوع. على القارئ الجديد أن يحفز كل مداركه وحواسه البصرية والسمعية لتقوم في آن واحد بوظائف متعددة في آن واحد: ملاحقة النص الظاهر في المستوى الأول، والظاهر في المستوى الثاني (الخلفية)، وفي الوقت نفسه تمزج بين قراءة النص وسماع الموسيقى المصاحبة في الخلفية، وتعمل على تنشيط الروابط، وتعمل أيضا على ربط كل هذه العناصر المختلفة المستويات لتشكيل صورة أشمل وأوسع. إنه القارئ الدينامي.

    "صقيع": النص الجامع للعلامات يتطلب توظيف كل الحواس والملكات والمدارك. إنه نص جديد بكل ما في الكلمة من معنى. جاء ليكرس مجهودات محمد سناجلة في هذا الاتجاه، بعد عمليه السابقين: ظلال الواحد وشات، وينبئ بإمكانات واعدة جدا في هذا السبيل. ولا يمكننا سوى التنويه بإقدام الكاتب محمد سناجلة على ارتياد آفاق هذه التجربة وريادتها في الآن ذاته.

 

2 . في الإسم:

 

    يعتبر محمد سناجلة في إحدى المناصات العتباتية عمله مندرجا في نطاق ماأسماه "أدب الواقعية الرقمية"، وهو مصطلح لممارسته الجديدة التي حاول أيضا أن يضع لها قواعد وأسسا. يحق للكاتب المؤلف أن يسمي "مولود"ه الجديد ما يرتضيه له من الأسماء، وفي انتظار إعطاء الإسم ذي الدلالة الملائمة لهذه التجربة الجديدة، لا بد من ظهور مواليد تسير في الاتجاه ذاته، لتعيين الخاص والعام، وهل هذه التجربة عنوان اتجاه محدد "الواقعي" الرقمي، أم أنها تندرج في الأسلوب العام الذي يمكن أن يتسع لأي إنتاج رقمي ممكن أو محتمل.

    إن التجربة الجديدة التي دشنها سناجلة في العربية، وحملها إسما محددا، تستلزم علاوة على ما ذكرناه، نظرية جديدة للأجناس والأنواع الأدبية. وهذا هو رهان الإبداع الجديد إنه يولد أبدا قضايا جديدة، ويستدعي رؤيات وأنماطا جديدة من الوعي والعمل.

 

 

3 . في التنظيم النصي:

 

3 . 1 . في النص: النص المتعدد العلامات في "صقيع" محمد سناجلة ينفتح على نصوص عديدة، لكنها جميعا تنفتح على بعضها لتنتظم في نص واحد، النص المكتوب: قصة الرجل "المنصقع"، بؤرة هذا الإبداع الذي يفرض علينا العنوان والمُناصَّات العتباتية أحاسيس هذا الرجل وهلوساته: ظلام وضباب كثيف وجبال وندف ثلج،،، وتتطور أحداث القصة ومشاهدها صوريا وأيقونيا ونوبات موسيقية، وشذرات مكتوبة لتجسيد معاناة هذا الرجل، ونتبين في النهاية أن القصة رؤيا.

    النص الرؤيا يتحقق من خلال لحظة تعيش فيها مع البطل رؤياه، وهي تتجسد من خلال علامات متعددة، فإذا بالقارئ المشاهد، يتماهى مع البطل، فإذا هو القارئ الرائي (بالمعنيين معا).

 

3. 2 . في المتفاعلات العلاماتية:

    تتوازى مع النص المكتوب (قصة قصيرة) وتتخلق من داخله روابط (عشرة روابط)، وعندما تنشطها ننتقل إلى متفاعلات نصية ـ علاماتية (أو عقد). تنقسم هذه الروابط إلى قسمين:

أ. متفاعلات صورية تجسيدية، وهي ذات طبيعة صورة متحركة (ثمانية روابط).

ب. متفاعلات نصية، صورية، سمعية: وهي متعددة يحضر فيها الصوت والموسيقى والغناء إلى جانب الصورة والنص المنكتب (رابطان اثنان).

    تستدعي عملية التفاعل مع النص الانتقال من الخطي الذي يفرضه النص المكتوب إلى اللاخطي الذي يتحقق عبر تنشيط المتفاعلات العلامية. وفور الانتهاء من أي متفاعل، يكون الرجوع إلى النص البؤرة، وبذلك تتعدد مسارات النص وحركات الانتقال بين مختلف مكوناته.

    إنه تنظيم جديد للنص، وهو يختلف عن التنظيم النصي الذي اعتدنا عليه في النص الورقي. فهو تنظيم ينبني على الترابط والتفاعل بين مكونات النص المختلفة: إنه فعلا طريقة جديدة في إنتاج النص وتلقيه تنبئ أننا أمام إبدال إبداعي مغاير.

 

4 . في الختام، أي في البدء:

 

    "صقيع" محمد سناجلة نص متكامل، جامع ومتعدد العلامات، يحقق متعة القراءة والتلقي بما  يقدمه من علامات متناغمة ومتسقة تتضافر لتشكيل معان ودلالات يحبل بها النص ويوحي إلى عوالم متعددة، وبذلك فهي تجربة عربية جديدة في مجال الإبداع تستدعي التنويه والثناء، وهي بذلك رائدة في مسعاها لمسار إبداعي عربي قيد التبلور. ولا يمكن إلا أن تكون لها آثارها على النص العربي الممكن الإنتاج والتلقي.

    لقد سبقنا الغربيون في هذا المضمار، وتطور الإبداع التفاعلي كما وكيفا، وكان ذلك منذ 1985 مع تجربة مايكل جويس، وروايته: الظهيرة، قصة التي أنتجها من خلال برنامج المسرد (storyspace). وتوالت التجارب في مختلف البلاد الغربية، وتنوعت التجارب وتعددت العطاءات. كما واكبت هذه التجربة تنظيرات وتطويرات لمسار النقد والدراسة الأدبية التي استجابت للتحول وللإبدال الجديد، فاغتنت، واتسعت ممارستها لتصل النص بمختلف أنواع العلامات. وانفتحت الممارسة النقدية على حقول معرفية وعلمية وفنية متعددة: الصورة، الموسيقى، التشكيل، الرسم، المعمار، وعلى علوم الإعلام والتواصل، والوسائط المتعددة والمتفاعلة،،، هذا إلى جانب علوم مثل الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا، والعلوم المعرفية المختلفة .

    إن التجربة الجديدة تفتح آفاقا واسعة لتجديد المعرفة والانتقال بها من مستوى بسيط إلى آخر أكثر تعقيدا. والطريق في هذا المسار، لمن أراد أن يسلكه صعب وطويل سلمه، وإن ارتقى فيه من يعلمه، أما من لا يعلمه فالحديث معه لا يمكن إلا أن يطول،،،

    هذا رهان جديد لتطوير الإبداع العربي والثقافة العربية كي لا تبقى خارج الدائرة. محمد سناجلة فتح الباب بإصرار وشق الطريق بعزيمة، وما يزال هناك متسع للمواصلة والتطور. هنيئا له بالمغامرة واقتحام آفاق التجريب المبدع. وهنيئا للأردن التي ساهمت في تطوير دخول العرب عصر المعلومات بمجهودات أبنائها ومبدعيها.

    لنقرأ "صقيع" ولنتفاعل معها بالحس الذي كتبها وألفها ونفذها به محمد سناجلة، لنستمتع بها بتشغيل كل حواسنا، وسنقدر أن آفاق الإبداع الجميل والنافع لا حصر لها. وفي مجال الإبداع الحقيقي، لا الزائف والعابر، فليتنافس المتنافسون.

 

 

د. سعيد يقطين

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

الرباط / المغرب