مقالات ودراسات عن الرواية

ظلال العاشق التاريخ السّري لكموش.. ظاهرة إبداعية تناصيّة تفاعلية رقمية

يوليو 20th, 2017 كتبه

ظلال العاشق التاريخ السّري لكموش.. ظاهرة إبداعية تناصيّة تفاعلية رقمية
أ‌. د. مها جرجور


“ظلال العاشق التاريخ السّري لكموش” ظاهرة إبداعية تناصيّة تستدعي قراءتها النقدية استخدام أدوات قرائية عديدة تفتح على مسارات تخصصية مختلفة، تمزج التاريخي بالمعاصر، الأسطوري بالتقني والرقمي، الجد باللعب لمحاولة فهم تعقيدات الغريزي والإلهي، الإنساني والوحشي، الواقعي والافتراضي، الحقيقي والمتخيّل بواسطة بنية سردية تفاعلية رقمية.

ومن العنوان الذي يثير حالة من الابهام تحث المتلقي على التفكير في العاشق وهويته، وهوية الظلال، وتحثه على البحث في ماهية السري في تاريخ كموش، تنطلق رحلة التناص في التصوف والتاريخ والدين، وتتبلور من خلال السرد والحوار والوسائط المتعددة المستخدمة من صور وموسيقى وفيديو… لتثير إشكاليات قديمة/جديدة حول علاقة الإنسان بربه والطريق إليه.

هذا السري الذي لم يعد سرًّا بعدما برز بقوة في كل قصة من القصص الواقعية الرقمية الأربع التي ترتبط ببعضها شكليًّا بواسطة الروابط، وعضويّا، كونها تظهر لنا مجتمعة رؤية سناجلة إلى عالم عنيف، من خلال شخصيتي كموش وعتيق الرب وغيرهما من شخصيات هذه الرواية الواقعية الرقمية.

ويرى المتتبع للعلاقات القائمة بين القصص الأربع على مستويي المضمون والترابط النصي وعلى مستوى الصور ما بين مشهد المقدمة(الفيلة والحرب والاقتتال والدخان والنيران) والمشهد الأخير الممثل بالمراهق (وهو يرمي الريموت كونترول) ، أنّ الصوت /النبوءة التي كانت المحفز على الفعل الحربي إرضاء لرب الأرباب، يتحول إلى محفّز لسلوك غير راضٍ عن كل ما يجري فيها تجسّده ملامح المراهق. من هنا، يمكن قراءة هذه القصة الواقعية الرقمية على المستويين السردي والموضوعاتي ، وعلى المستوى التفاعلي على النحو التالي:
1-على المستويين السردي والموضوعاتي يمثل الذات الممثل بشخصية كموش في قصة زمن الشجر أسطورة الإنسان المتأله الذي تحوّل من مظلوم يبحث عن انتقام لطفله ثم لوالده إلى إله ذاته، كما أتى على لسانه: ” شعرت أني أصبحت إله ذاتي”، بعدما صوره لنا رافضًا تقديس الشجرة، مدفوعًا برغبة في الانتقام الذي تحول الى مشروع ينجح فيه بفضل قوته العضلية، ما جعله يتحوّل، على المستوى النفسي، من إنسان إلى إنسان متأله. وبذلك، قدم الراوي لنا هذه الأسطورة للإنسان المتأله التي تلتقي إلى حدّ ما مع ما كان يقوم به الإغريق والرومان لجهة تأليه أبطالهم بعد وفاتهم. وهنا، يصف الراوي شجاعته الفائقة وكيفية تطورها، ثم يعتمد تقنية القطع السردية، فلا يخبرنا شيئًا عن الأحداث التي جعلت كموش ربًا للأرباب في مملكة مؤاب، ولكننا نكتشف هذا التحول بعد وصوله الى مرتبة”رب الأرباب” في القصة الثانية المعنونة بعنوان “عتيق الرب”.

و”عتيق الرب” هو اسم شخصية ثانية رئيسة تمثّل ابن الملك الذي يعتقه رب الأرباب من حكم الفداء به من أجل الحفاظ على سلامة المملكة، في تناص مع ما جاء في قصة موسى في التوراة، ولكن الراوي يعدّل في القصة التي أتت في التوراة، في أكثر من عنصر، ويحمل “عتيق الرب” مقابل ذلك، رسالة محاربة العبرانين. من هنا، يؤدي كموش في القصة الثانية دور المرسل المحفّز في برنامج “عتيق الرب” السردي الأوّل، ويقبل “عتيق الرب” هذا التحفيز ، ويصبح قائدًا لجيش قوي، مؤمنًا بأنه المنصور على أعدائه. ثم يعدل عن محاربة العبرانيين ويهب لنصرة أهل رماثا أيضًا، بإيعاز من مرسل ثانٍ ممثلاً برسولين: الأول، من قبل والده ممتثلاً لمشيئة الله ، والثاني من قبل الرومان… ويسير في تحقيق موضوعه الثاني، بعدما ربط ما طلبه الرسولان منه بالمشيئة الالهية، فجعل ذلك غير المقبول عند رجاله مقبولاً ، وبذلك تمّ التحوّل من محاربة المعتدين عليهم(العبرانيين)، إلى نصرة شعب آخر(أهل رماثا) … وتاليًا، تتقدّم المشيئة الالهية على كل مشيئة أخرى وتوظّف لتقلب الأدوار في هذا المقام.

أما في “الزمن العماء”، وهو عنوان القصّة الرابعة، يتحوّل دور كموش من مرسل ومحفّز إلى ذات باحثة عن معنى الوجود، ويمرّ سعيه البحثي هذا بالبرزخ ثم عالم الرفارف ثم عالم الشجر أي إلى الأرض… وبذلك يتحقق سقوطُه من علُ. وهنا، نرى مسيرة عكسية لتطور شخصية كموش من إنسان/ إله إلى إله /إنسان ، بعدما أغضب الله الذي لم يكن يعرفه في زمن سابق من أزمنة السرد. وفي السياق نفسه، يظهر لنا الراوي في قصة “العاشق وحيدًا” والتي يصف فيها كموش حزينًا، بعدما يكتشف من خلال حوار مع “هو” أنه “ظل ظل الوجود”، أنه ليس ظلا للعاشق/الاله أي كاملاً به، وانما هو ظل للظل أي بعيد جدًا عن الأصل والحقيقي، ما يحيلنا الى القول بدائرية هذا السعي البشري وبعبثيته، وبتأسيس فكرة أنّ العبد يبقى عبدًا وأن الاله يبقى إلهًا مهما تنوعت محاولات الأخير لتغيير حالته التي خلق بها، وأنّ الله محبة والطريق إليه واحدة. وعلى هذا، تشير بنية هذه الرواية الرقمية الدلالية العمقية إلى أنّ البشر يستمدون حق الشروع في القتال برب يدعون أنه لجانبهم، وأنهم ينفذون مشيئته، وهذا ما يظهر لنا من خلال تكراره عدة مرات: “رب الأرباب كموش العاشق المحب لعباده القاهر الجبار لأعدائه،” ومع ذلك، لم يتمكنوا من فرض سيطرتهم إلى الأبد… في حين أنّ فريقًا آخر من البشر، يعتمد المنتمون إليه الصلاة والزهد وسيلة! وعليه، تمثّل هذه القصص كلاً متكاملاً تؤطر رؤية المبدع إلى الإنسان وعلاقته بربه، وإلى المجتمعات المقودة بالسلطة الدينية مقابل صورة أخرى لسلوك جماعة المتصوفة الذين يسعون الى الغاية نفسها، أن يكونوا ظلالاً للآلهة، أناسا كاملين متحققين بالحضرة الواحدية، ولكنهم اعتمدوا وسائل أخرى الى منتهاهم.

2- على مستوى التفاعل: لا يمكن قراءة هذه الرواية الواقعية الرقمية بعيدًا عن موقعها التفاعلي، ولا يمكن أن تُقرأ نصوصها الأربعة بمعزل عن بعضها، إذ كتب سناجلة وصمّم وأخرج، وقدم سرده في قالب تاريخي وديني وأسطوري، وربط القديم بالمعاصر عبر عناصر لغوية وأخرى غير لغوية، فاستخدم النص المترابط(الأرقام وغيرها) ليفسر ما قد يغيب عن بال المتلقي، واستخدم الوسائط المتعددة لينقل المتلقي إلى قلب الحدث، ووضع روايته الواقعية الرقمية في قالب لعبة لجذب المتلقي، وهو بذلك عمد إلى استخدام تقنيات التفاعل كلها الممكنة مع المتلقين، وذلك من خلال استخدام تقنية النص المترابط من جهة، وفسحه في المجال أمام المتلقين من مراسلة الشخصيات ومحاورتها من جهة أخرى. إلا أنّ التفاعل الحقيقي بقي على مستوى الكتابات النقدية، ولم يتعداه إلا قليلا لغير المتخصصين. وهذا، ما يطرح إشكالية جديدة تتمحور حول نوعية الموضوعات التي تثير المتلقي العربي، وحول نسبة استعداده للتفاعل والدوافع المحفزة له وتلك المعيقة: أهو موضوع الرواية الواقعية الرقمية الشائك الذي خفّف من نسبة المشاركات التفاعلية أم غياب الاستعداد الفطري عند المتلقي للتفاعل، أو هو الخوف من التعبير عن الرأي، أم هذا دليل على لا مبالاة؟!!
لا شك أنّ جميع هذه العناصر تتجاذب المتلقي العربي فتجعله يحجم عن التفاعل، وكذلك موضوع الرواية حساس جدًا، ومتشعب… وكذا لغة النص الغنية بالتناص والحاملة لمحمولات تاريخية ودينية وثقافية كثيرة وتفترض متلقيًا مثقفًا، عارفًا في التاريخ واللغة العربية والديانتين اليهودية والاسلامية…
ولا شك أنّ الموضوعات المطروحة مثيرة للجدل، وتحثّ المتلقي، بطريقة غير مباشرة على اتّخاذ موقف، وربما هنا تكمن الصعوبة!
ولا شك أنّ ظلال العاشق التاريخ السري لكموش عمل انتصر فيه النص السردي على العناصر الأخرى في بنيته التي أتت الوسائط المتعددة زائدة عليه، بعدما اتّخذت وظيفة الوصف أو الشرح أو التفسير. إلا أنّ هذا لا يخفف من قيمة العمل الإبداعي ومن تفرّده في وسائل التعبير عن نبذ العنف والعودة إلى الله الواحد الأحد صانع السلام لا الحرب.

بأنامل: أ. د مها فؤاد جرجور.. ناقدة وأكاديمية لبنانية أستاذة الأدب العربي في الجامعة اللبنانية

البلاغة والبلاغة المضادة: ‘ظلال العاشق’ أنموذجا

يناير 30th, 2017 كتبه

بقلم: أ.د.سمر الديوب


باحثة وأكاديمية سورية وأستاذة الأدب العربي في جامعة البعث في سوريا.

حمص – الأدب الرقمي حالة تطورية لمسار الأدب، وتغيِّر علاقته بالوسيط التكنولوجي مادتَه اللغوية، فإذا كانت المادة المعجمية هي الأساس في تجربة النص الأدبي فإن موقعها في النص الرقمي يتغير، وتصبح اللغة المعلوماتية ذات وجود جوهري في إنجاز النص الرقمي؛ إذ تتمثل الاختلافات بدءاً بشاشة الكمبيوتر إلى البرامج المعلوماتية إلى مكونات الإنتاج التي تثير أسئلة؛ لأن الشكل الأدبي يتغير تبعاً لطبيعة المادة الجديدة، فلغة المعلوماتية تنجز مساحة مفتوحة للنص يمتلك القارئ فيها سلطة تدبير النص من خلال خياراته في تشغيل الروابط أو تركها، أو التعامل مع بعضها فقط.

ولا يغادر الأدب الرقمي الكمبيوتر إنتاجاً، وقراءة، ونشراً، والكمبيوتر ليس مجرد وسيط للنشر. إنه يتجاوز ذلك إلى إلحاق تعديلات جوهرية على النص، فيتحول إلى غير ما سيكون عليه لو صدر عبر الوسيط الورقي.

والسؤال البديهي هل سيحل الأدب الرقمي محل الأدب الورقي؟ أو أننا على عتبة مرحلة سيختفي فيها الأدب نفسه؟ فالرقمية تجلٍّ لقطيعة مع الأدب السابق، وهي آخر مرحلة من مراحل تطور الأدب التي يمكن أن نمثلها بالشكل الآتي:

أدب شفهي- أدب ورقي-أدب رقمي.

لا يزال الأدب الرقمي في الساحة العربية ناشئاً، وخاضعاً لمنطق الخطأ والتجريب، والأعمال الرقمية العربية قليلة، بخاصة الرواية، فقد صدرت الرواية الرقمية الرابعة للروائي محمد سناجلة: “ظلال العاشق-التاريخ السري لكموش” ونُشرت على موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب عام 2016.

ويتجاوز الهدف من هذه الرواية السرد التاريخي إلى إثارة الأسئلة حول التاريخ الإنساني الدموي بعامة؛ إذ تبدأ بحصار ملك إسرائيل آخاب بن عمري ملكَ مؤاب ميشع بن كموشيت عام 750 ق.م فقد هزموه، وقتلوا فرسانه، وسبوا نساءه، وأحرقوا قراه، ونهبوا أمواله.

ثم تتسلسل الأحداث تسلسلاً سردياً تعاقبياً حين هرب الملك وجنده، وتحصّنوا في القلعة، ورماهم الطرف المعادي بالمنجنيقات والنيران.

وحين تصل الرواية إلى الذروة الدرامية يقول الكاهن لميشع بن كموشيت: “إن رب الأرباب كموش المتعالي قد غضب على مؤاب لخطاياها ورزاياها، وما عملته من معصية الرب حين لم تخلص في عبادته، وجحدت وصاياه، وأنكرت واجباته، فأحلّت ما حُرِّم، وحرّمت ما حُلّل”.

ويرى الملك رؤيا تحرف السرد عن مساره، فقد رأى الرب كموش بلباس الحرب، وقد رفعه إليه مرات حتى أشرف على الموت، ثم صاح به عماد الدم، فإذا ببسيطة حمراء فُرشت تحته، وحملته إلى الكاهن، ففسر الكاهن الرؤيا بأنه كُتب على الملك تقديم قربان عظيم محرقة خالصة لوجه الرب، وهو ابنه البكر.

ويَحدث استرسال سردي، ويتجاور الوصف والسرد في مواضع متعددة، وتتسلسل الأحداث، ويلجأ صانع النص الرقمي إلى المشاهد الحية والحقيقية في بعض مفاصل الرواية، كمشهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة على يد داعش في الرقة السورية عام 2015، كما يوظّف مشاهد من أفلام سينمائية، وأغاني لمطرب أردني، يرافق ذلك موسيقى، ومؤثرات صوتية، ورسوم متحركة، وإخراج سينمائي، وبرمجة الكترونية باستخدام برنامج فلاش مايكروميديا.

والجديد في هذه الرواية توظيف الحواشي؛ لجعلها نصاً موازياً، فثمة حواشٍ ترتبط بالمتن، تشرح، وتفسّر، وتحيل على مصادر، فيتوازى النص العجائبي والغرائبي، ويُحكَم المتن بمبدأ التعاقب والسببية الموجود في السرد، والمحقق مع المتوازيات الزمنية، فترتبط الوقائع الفانتازية بالواقع ارتباط السبب بالنتيجة، وهذا ما يجعل للحدث الماضوي قيمة حداثية بإسقاطه على الحاضر، فالماضي هو الحاضر في صورة ما.

ويؤدي الخطاب العجائبي والغرائبي والأسطوري إلى قراءة إسقاطية، لا تركز على نصّ الرواية بجانبيه اللغوي والتكنولوجي، بل تمرّ به إلى الآخر/المجتمع؛ ليغدو النص الرقمي دليلاً على صحة الرؤيا التي تبناها سناجلة، والمتعلقة بالتاريخ السري لكموش، والذي أراد له الظهور.

إن كموشاً إله قديم لدى الأردنيين، لكنه أراد من وراء سرد قصته معالجة فكرة العنف في الأديان، ولا يقف المبحِر متفرجاً، بل تؤدي لغة الرواية، ورقميتها بإحالتها على هوامش لها صحة تاريخية، ودينية، وشعرية إلى إثبات الفكرة الجوهرية المستترة وراء قصة ابن الملك.

فثمة تناص مع القرآن الكريم حين قدّم الملك ولده قرباناً “وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون” وحين همّ بقتل ابنه ظهر كموش بلباس الحرب، يقود عربة ومعه كبش عظيم، فأمر الملكَ بذبحه، ونثر دمه على أعدائه، فينهزمون، فهرب الأعداء، وتبعهم الملك وجنوده يقتلون، ويسبون من فلولهم!

ثم أمر ابنه بالهجوم على العبرانيين، وتحيل الجمل باللون الأزرق على مشاهد متحركة، فقد فوجئوا بالفيلة تظهر، فقُتل منهم عدد، وهرب عدد، لكن ابن الملك ثبت، فعاد مَن هرب، وارتجز أبياتاً، ونحال هنا على أبيات عبد الله بن رواحة:

يا نفسُ إلا تُقتَلي تموتي

هذا حِمامُ الموت قد صليتِ

وما تمنّيتِ قد أُعطيتِ

إن تفعلي فعلهما هُديتِ

لقد خلع الإسقاط ما في داخل صانع النص على شيء في العالم الخارجي، فكان ذلك الشيء هو التاريخ السري لكموش، فأفرغ ما في ذهنه في حكاية أخذت صبغة تاريخية، وهي شديدة البعد عن التاريخ.

وهدفه تعديل ما هو مُدرَك، ونبذ العنف، وإحلال السلام والمحبة؛ لأن الرب رب محبة وسلام، لا يقبل بالعنف الذي يتم باسم الدين.

وبدأ الإسقاط من الخارج النصي، وانتهى في الداخل النصيّ، فقدّمه بمتعاليات نصية، وغدا النص الرقميّ في ظلال العاشق وسيلة لعرض آراء صانع النص السياسية، والفلسفية، والدينية.

وإذا كانت الرواية العادية تخاطب المتلقي فإن الرواية الرقمية تخاطبه، وتجعله مشاركاً في التعليق. ففي يمين الشاشة عبارة: اضغط هنا للتفاعل مع الرواية. لكن هذا الخيار لا يجعل المبحِر مشاركاً، ولا يتم التفاعل معها دائماً؛ لإمكان قراءتها بعيداً عن الشبكة العنكبوتية، فلا تتحقق التفاعلية في الرواية بالطريقة التي يُفتَرض وجودها فيها.

وإذا كانت الشعرية تتحقق في مسافة التوتر، وابتعاد الدال عن المدلول فإن كلمات الرواية قد حُمّلت قدراً كبيراً من الدلالات؛ لنقد الإنسان الذي تسيطر عليه فكرة القتل، وهو يظن أنه يؤدي عبادة، وليدرك موقعه الصحيح في الكون والتاريخ. إنه يحاول أن يبعد المبحِر عن الأفكار المترسبة منذ القديم، فقد تلقى الملك نبوءة بتقديم ولده قرباناً للرب كموش؛ لكي يخرج من الحصار المفروض عليه، فاستفاد من القصة الدينية، ووظفها؛ لتغدو نصاً مضاداً لطبيعته الأصلية، ومفارقاً دلالته على مستوى الرؤيا. فقد أطلع المبحِرَ على العالم الداخلي للمؤمنين بكموش الذي لا يرضى بغير سفك الدماء، والسبي، والقتل، فغدت الروابط محيلة على العنف الذي يظن فاعلوه أنهم يرضون الرب في إشارة إلى داعش، وما يفعله باسم الإله في حين أن الدين الحقيقي حرية وسلام.

لقد انتصر ابن الملك، وحقق ما طلبه كموش منه، لكنه شعر أن الساعة قد قامت، وساد صمت، وهو صمت يقول كلاماً كثيراً كالتاريخ السري الذي أفصح عن العنف الموجود لدى البشر. ففي الصمت بلاغة، وهي تقود إلى نسق مضمر، إنها بلاغة تتخذ موقعاً وسطاً بين البلاغة التقليدية، والبلاغة الرقمية.

تفارق ظلال العاشق الرواية الرقمية في مواضع، وتلتقيها في مواضع، فثمة دلالة إيحائية رمزية عالية في الاستطراد في الوصف والسرد، ويحمل الخطاب بعداً صوفياً واضحاً:

“قبل الوجد كان الواجد.. اعترته الوحشة وعماء الوحدة، فاض به العشق، فأوجد.. فكان الموجود.. فنظرته، فما قدّرته حقّه.. المعشوق صدّ العاشق.. قال: انظر: فنظرت، فإذا بي في عالم الفناء”.

وقد احتل السرد مساحة واسعة في الرواية، فقد سرد النظرة إلى بدء التكوين بدءاً بالشخص الذي قدّس الشجرة، ثم قدّس المرأة، لكن السردية طاغية على الرواية، وتجاور السرد والوصف، وفي هذا الجانب مفارقة للنص الرقمي الذي يجب أن تكون الكلمة فيه جزءاً من كل، ويجب أن تكون الكلمات قليلة، والجمل قصيرة. فالأمر لم يتحقق في ظلال العاشق؛ لسيطرة السرد والوصف، وقد أدى هذا الأمر إلى إمكان قراءة الرواية قراءة خطية خلاف الرواية الرقمية بغض النظر عن الروابط، والهوامش. وقد ولّد هذا الأمر بعداً درامياً شائقاً، لكنه أبعد الرواية عن خصوصية النص الرقمي. فقد رفد الجانبُ التقني الجانب الأدبي ولم يكن جزءاً عضوياً تفقد الرواية جزءاً من معناها من غيره.

أما الإحالات والتعليقات فهي جانب جديد في ظلال العاشق، فقد بدا صانع النص باحثاً، وهو يوثق الآيات القرآنية، ويحيل على الأسماء الحالية للمدن كأورسالم/القدس، وبرية فاران/صحراء النقب، وعصيون جابر/ميناء ومدينة العقبة الأردنية حالياً، وهو جانب جديد يغني النص الرقمي، ويسهم في تقديم رؤية سناجلة، ورؤياه.

والعنصر البصري مهم في ظلال العاشق، يجعل المتلقي مبحراً في تأملات فلسفية وجودية، وقد وظّف العنصرين السمعي والبصري؛ لتقديم لحظة تاريخية تبدأ كما تنتهي، وتجتمع فيها الأزمنة، والروافد، والحضارات، فيغدو النص الرقمي حامل معرفة من نوع خاص باللجوء إلى العناصر التكنولوجية، فيوظف المبحِر حواسه كلها وهو يتابع حركة التاريخ المستمرة، وينشغل ذهنه في النقر على الروابط، وتتابع عيناه الحركة المشهدية، وتستمتع أذناه بالموسيقى، ويربط فكرُه بين الأحداث والوقائع.

وقد لجأ سناجلة إلى تقنية الهايبر تكست/ النص الفائق ، وتعدّ العقد والروابط من جوهر العمل الرقمي، وليست شيئاً مضافاً عليه. لكن هذه الرواية تفارق البلاغة الرقمية في هذه الزاوية، فتنشيط “شعرت بأني إله ذاتي” في فصل عتيق الرب ينقلنا إلى فصل زمن الشجر، ثم نعود إلى فصل عتيق الرب، وفي فصل الزمن العماء نعود إلى عتيق الرب الفصل المحوري بتنشيط جملة “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟” وفي فصل العاشق الوحيد نعود إلى عتيق الرب بتنشيط جملة عالم الفناء. فثمة مركزية في فصل عتيق الرب، وفروع في الفصول الأخرى، والهدف ألا يبقى العمل خطياً. فتعددت المسارات، وجُمعت في رابط واحد، وفكرة مركزية واحدة، وفي هذا الأمر إرهاق للمبحِر في الرواية.

وتغدو الفصول التي يعدّ كلٌّ منها رواية مستقلة رواية واحدة عضوياً، تُرتّب خطياً، فتبدأ بالعاشق الوحيد، ثم زمن العماء، ثم زمن الشجر، ثم عتيق الرب. ويعني هذا الأمر أن هذه الرواية يمكن أن تتحول إلى رواية خطية، فيستطيع المبحِر أن يقرأ ما يريد منها، لكنه يرتب الأفكار في ذهنه خطياً، ويحيل هذا الأمر على الروابط، فهي تؤكد ما جاء في السرد، وبحذفها لا يختل النص السردي.

ولجأت الرواية إلى الخطاب العجائبي والغرائبي، وإلى الأسطرة في بعض المواضع، وهو سرد غني بالدلالات الإيحائية، لكنه يجعل الرواية مختلفة عن الرواية الرقمية التي نظّر لها سناجلة، وقال عنها إنها تعبر عن العصر الرقمي، والإنسان الرقمي الافتراضي الذي يعيش في المجتمع الافتراضي، فقد حملت خطاباً رمزياً، واستلهمت أساطير التكوين، وتقاطعت مع الخلفيات الدينية وصولاً إلى فكرة أن الدين حرية، واتحاد صوفي بالخالق لكيلا يتحول الإنسان إلى ظل لكموش دموي. وقد وظّف هذه الفكرة بالمتوازيات الزمنية، فدعا إلى النظر إلى التاريخ بعيداً عن التمجيد والأسطرة، وكأنه يجدد دعوة المعري إلى أن يكون العقل إمامنا، وأن نرفض ما لا يقبله العقل. فالتاريخ القائم على الحرب والدم يجب أن يُساءَل لكي نبني مستقبلاً برؤيا صحيحة.

من سمات النص الرقمي أن المبحِر يمكن أن ينتقل فيه بحرية، ويتجاوز بعض المشاهد والروابط. لكن الغلاف الرقمي في ظلال العاشق مختلف، فقد بدأ غلاف الرواية الرقمي المتحرك بمشهد حرب قديم حيث المقاتلون يعتلون أحصنتهم، والسيوف والرماح في أيديهم، يتجهون إلى الهدف، فيقتلون ويُقتَلون، ويرمون بالسهام، فتعود إلى الخلف، وتطير الطيور السود فوق جثث قتلاهم في النهاية.

وتظهر العتبة النصية “ظلال العاشق” باللون الأحمر الذي يقطر دماً، والعتبة الفرعية “التاريخ السري لكموش” باللون الأزرق.

والمدة الزمنية للغلاف الرقمي طويلة نسبياً، لا يمكن اختصارها، والدخول مباشرة في العمل، ولا بد من المرور بها كاملة قبل الإبحار في ظلال العاشق. ويبدو هذا الأمر مقصوداً من قبل سناجلة، فقد وظّف الغلاف الرقمي لخدمة هدفه الحجاجي، فتهيئ المقدمة المتلقي للدخول في العمل، وتستميله، وتؤثر فيه، وتثير اهتمامه، فلها وظيفة حجاجية، وهو حجاج بلاغي قائم على بلاغة رقمية تلجأ إلى الرسوم المتحركة، والصوت، والحركة الصاخبة، والموسيقى المرافقة، والألوان المثيرة للاهتمام. فالعتبة النصية تقطر دماً، والعتبة الفرعية بلون أزرق يلفت المبحِر. ويعدّ الغلاف الرقمي نصاً موازياً مختلفاً عن الغلاف الورقي، فالعاشق عاشق للدم والعنف؛ لظنه أنه يتقرب إلى الإله.

إنه يريد أن يقول من وراء بلاغة الغلاف الرقمي إن هذا الرعب القادم من التاريخ يزهر، ويثمر في حياتنا المعاصرة، ولا يمكن أن يدع العاشق عاشقاً بوجد صوفي للذات الخالقة، ولا يمكن أن يكون حراً في أن يمارس فعله خارج طقوس العنف المستتر بالدين، وهذا ما يفسر تعلق هذه الرواية الرقمية بالذاكرة التاريخية المغرقة في القدم، والملامِسة أساطير التكوين والرموز؛ ليعبر عن تحول الإنسان عن سلوك الخير والمحبة والسلام بلغة بالغة العنف، وبنصّ متمرد على الكتابة الورقية بلجوئه إلى الوسيط التكنولوجي من جهة، ومتحول عن النص الرقمي الذي ألفناه في الروايات السابقة له من جهة اللجوء إلى التعليقات، والحواشي، والاستطراد في الوصف والسرد، وهذا ما تحتمله الرواية الرقمية.

ويوحي الغلاف الرقمي بجو العنف، وتحيل عتبته النصية “ظلال العاشق” على حال عشقية خاصة تحيل على جرح وألم، فالدماء تتقاطر من هاتين الكلمتين، وتوحي بصورة عاشق عنيف. والعتبة الفرعية “التاريخ السري لكموش” تعني أن ثمة نسقاً مضمراً يختلف عن التاريخ الظاهر، وترتبط العتبة الفرعية بالعتبة الأصلية بعلاقة تضاد. فلا يمكن إخفاء العشق، وهذا التاريخ سريّ. وتشكل عتبة الغلاف الرقمي بوابة تفتح النص على عوالم خيالية، أو حقيقية، فتوهم العتبة الفرعية أنه سيسرد التاريخ السري لكموش، ويعني ذلك أن هذه العتبة ترتبط بنوع خاص تاريخي سِيَريّ، وتحيل على التشاكل السيميائي بين السيرة التاريخية، والرواية الرقمية.

ويستمر التاريخ المتخيَّل حاضراً في عالم الرواية الذي يلتقي الواقع بخاصة ما يحدث في سوريا في ظل وجود داعش.

إن ثمة طابعاً بصرياً، وطابعاً سمعياً في الغلاف الرقمي؛ لذا يمكن عدّه نصاً موازياً يوازي النصوص في ظلال العاشق برمتها. إنه هوية للمتن، وغلاف يندرج في حقل التناص الأجناسي، ويمثل حوارية بين حقلين مختلفين أجناسياً: الأدب/ التاريخ.

ومما لا شك فيه أن توظيف جنس في جنس أدبي آخر يحمل قصداً من قبل سناجلة، ويتعين على ذلك أن التناصّ الأجناسي، وحوارية الأنواع عملية اختيارية قصدية لدى صانع النص الرقمي.

تمثل هذه الرواية نصاً مضاداً، فهي تأخذ من السرد التاريخي من جهة، ومن الروايات الحربية من جهة أخرى، ومن ألعاب الفيديو والمقاطع الفيلمية، ومن الأدب العجائبي والغرائبي والأسطوري، وتوظّف التكنولوجيا، وتطوّعها لخدمة النص الأدبي، فيتماهى العلم بالأدب. ومن شأن هذا الامر أن يجعل المتلقي مختلفاً، فهو مبحِر يندمج في النص المقروء الحركيّ المسموع، منحاز في اللا شعور إلى أحد الطرفين المتحاربين، يوظف طاقته العقلية؛ لاستنطاق التاريخ السري لكموش، فيتحول إلى كائن افتراضي مشارك في شخصيات الرواية.

إنها نص مضاد؛ لأنه نصّ منفتح على السرد، والشعر، والخبر، ومقاطع الفيديو، والموسيقى، والمشاهد المتحركة، فيقرأ المبحِر، ويسمع، ويرى، وتوسِّع الروابط النص، وتفرّعه، ويتمكن صانع النص من التفسير والتعقيب والتعليق، فثمة تعالقات نصية مع خطب وأشعار عربية قديمة، وثمة روابط مشجّرة تؤدي وظيفة الهوامش في فصل عتيق الرب، وثمة روابط تصويرية مشهديّة ننتقل إليها بالضغط على الزرّ، وروابط ناقلة إلى نصوص حركية، وروابط تجاور نص المتن. وهنالك مركز يشدّ هذه الروابط جميعاً، ويُخرج من المتاهة التي يمكن أن نقع بها ونحن نبحر في الرواية.

لقد أتى رسول إلى ابن الملك من حليفه ملك رماثا يطلب نجدته من العربان الذين غزوا بلاده، هم اليوم عند ملك رماثا، وغداً عندهم. وقد حاصر العربان المدينة كالسراب، ونحال هنا على أبيات للشاعر الدوقراني عام 1919 م ويهاجم العربانَ من الخلف، ويمسك بقائدهم، ويحرقه حياً أضحية للرب، وعبرة لن يعتبر، ونحال هنا على مقطع فيديو يتضمن مشهد حرق الكساسبة على يد داعش في الرقة عام 2015.

ندخل بعد ذلك بتنشيط رابط إلى كموش في زمن الشجر، ونعود إلى بدء الخلق، فقد نظر شخص إلى شجرة، وشعر أنها تعطيه الأمان والحماية، فطالب بالسجود لها، ثم شعر أن في بطن المرأة حياة، فقدّم لها ثمار الشجرة المقدسة قرباناً. ثم سجدا للشجرة، وتركا ابنتهما الطفلة تحت جذوعها المقدسة، فالتهمها النمر، فقال لزوجه: لن نسجد بعد اليوم للشجرة، ونحال هنا على جملة: من عرف الله تحرر.

وفي رحلة بحث ابن الملك نحال على خطب متعددة كخطبة البابا أوربان في الحض على الحروب الصليبية عام 1095م وكلام بوذا في يقظة البودهيساتفا: “إن الدين الحق يجب أن يُبحث عنه منذ الساعة، وهو بينكم، والفرصة لن تعود”، ثم يتكلم على مجازر الحرب باسم الإله كموش، ويشير إلى تدمير بغداد من قبل المغول عام 1258 م وعزمهم على نشر راية كموش في أنحاء الأرض، ثم تحدث زلزلة السماء. إنه غضب الرب، فطاروا جميعاً إلى السماء وسط سحب الدخان، فطار معهم، وفجأة جاء الصوت، فنحال على جملة: GAME OUTوتنتهي الرواية.

تغدو ظلال العاشق بهذه الصورة ملتقى علامات، وحوار خطابات مهاجرة من النصوص الفلسفية والشعرية والتاريخية والدينية، فثمة استدعاء من أزمنة تاريخية أسطورية، وبخطاب يجمع بين بلاغة المتن، وبلاغة الهامش؛ ليغدو الهامش “التعليقات” أهم من المتن فيها.

إن ثمة تقاطعاً أجناسياً يجمع بين السرد والشعر، والسرد والتاريخ، والأسطرة والترميز، وهو يدرك أن حكاية الملك وابنه لإرضاء الرب كموش لن تصل إلى غايتها إن لم يكن هنالك إحالات على أمور متعاقد عليها، فيوغل في التاريخ والفلسفة والدين، ويقدّم امتداد التاريخ في الواقع بخطابات حوارية، ويقدم سردية جديدة للتاريخ والأسطورة والإيديولوجيا بوساطة العقد والروابط التي يعيد تمثيلها رمزياً؛ لنبذ العنف في الواقع.

وتندرج هذه الأفكار في بلاغة مضادة للبلاغة التقليدية، قوامها حوار الخطابات، وتعالق النصوص، وإسقاط الرمز والأسطورة على الواقع، وصهر المتن اللغوي بالروابط المحيلة على مقاطع حركية لمشاهد الحرب، ومقاطع فيديو، وأغان. إنه نصّ ذو بلاغة مضادة للبلاغة التقليدية، نص أدبي تكنولوجي مضاد للعنف في الحاضر والماضي، تحدّ رمزي تخيلي للعنف، فتتعدد عوالم الرواية من الرجل الأول الذي قدّس الشجرة والمرأة إلى الذين قدسوا الرب كموش، وتغدو هذه الرواية التخيلية ذات الخطاب النوعي التاريخي، والعجائبي، والغرائبي، والأسطوري، والفلسفي، والشعري مؤدية تغذية ارتجاعية تغذي زمن الحاضر الرهيب، وتغدو كذلك حاضنة خطابات، وملتقى حوارية من نوع خاص بين الأنواع الأدبية، وغير الأدبية.

إن ثمة حواراً مع الأنواع، وحواراً مع الأشكال بوصفها الطريقة الجديدة في التواصل، وثمة حوارية قائمة على اللغة، وحوارية شبكية معلوماتية، فأصبحت في المركز المتصدّر بعد تراجع الحوارية التقليدية القائمة على الكلمة، وتتوحد الكلمة بالصورة والصوت والكلمة، وتصبح الصورة حدثاً له هوية فكرية وفنية.

وحين انفتحت الكلمة على مفردات الصورة السينمائية اكتسبت أبعاداً فنية ودلالية أعمق بفضل المؤثرات التكنولوجية المرفقة، فامتزجت الصورة بالإيقاع، وأضحت كلمة ذات شكل فني تتفاعل فيه العناصر المكتوبة، والمرئية، والمسموعة؛ للوصول إلى معادلة جديدة قوامها الكلمة، والصوت، والصورة. فلا يرى السردي مانعاً من حضور الشعري، والتكنولوجي في النص الرقمي مع أن السردي طاغ على هذه الرواية، وقد فسّرت الإحالةُ على مقاطع الفيديو الجملَ، وصوّرتها، ولم تضف جديداً إليها؛ لذا يمكن حذفها من غير أن يختل المعنى.

إن ثمة تفاعلاً أجناسياً في الغلاف الرقمي، وفي الروابط المحيلة على مشاهد الحرب المتخيّلة. فيحدث تلاؤم بين فنّين: مكاني أيقوني هو فنّ الرسم، وزماني تتابعي ذي تشكيل لغوي هو الأدب.

وأخيراً: اختار سناجلة الإطار التاريخي لروايته الرقمية؛ لقناعته أن التميز، وتحقيق الأثر المراد لا يكون إلا بالغوص في أعماق الهوية الثقافية، واكتشاف ثغرات الماضي؛ لإصلاح الحاضر.

والهدف من المرور باللحظات التاريخية والمفاصل الأساسية والمشاهد الحية إيقاظ الهاجع في الفكر العربي، ودعوة إلى التبصر لا البصر، فالتاريخ الحقيقي سريّ، لا معلن، والله إله محبة وسلام، فظلال العاشق لحظة تأمل عميق في الثقافة والفكر والفلسفة.

وتظل هذه الرواية الصادرة حديثاً ميداناً للنقاش حول وظيفة التكنولوجيا في الأدب الرقمي، وموقعها في حياتنا -نحن العرب-وفي أدبنا. ومع مآخذنا على الاستطالة في السرد، وإمكان حذف المقاطع المتحركة والفيديو من غير أن تتأثر الرواية، وإمكان تحويلها إلى رواية خطية، وابتعادها عن التعبير عن العصر الرقمي والإنسان الرقمي الافتراضي تظل رواية لها الريادة على الساحة العربية، تمثل المرحلة التأسيسية الخاضعة لمبدئي الخطأ والتجريب الرياضيين.

باحثة وأكاديمية سورية وأستاذة الأدب العربي في جامعة البعث في سوريا.

البنية التفاعلية لـ “ظلال العاشق” مقاربة لعتبات لعبة الكتابة الرقمية

يناير 28th, 2017 كتبه

د. فاطمة كدو / جامعة ابن طفيل – القنيطرة

الكلمات المفاتيح :

الرواية الرقمية – الواقعية الرقمية – الافتراضي – التاريخي – الواقعي – الأدب الرقمي – الأدب التفاعلي – الكتابة الجديدة – رقمنة التاريخ – رقمنة السرد – النص المترابط – الروابط – الإخراج الفني – الثقافة الرقمية – التفكيكية – اللعبة الرقمية – ألعاب الفيديو – العتبات النصية – الأساطير – النص الديني المرقمن – النص الموازي – الهوامش – المتخيل الرقمي .

يهدف مقالنا هذا ، إلى الوقوف على مشروع الكتابة الأدبية الرقمية عند محمد سناجلة ، بعد صدور روايته الجديدة “ظلال العاشق” (يناير 2016). ويكون بذلك قد راكم في حصيلته الإبداعية أربع روايات : “ظلال الواحد ” و” شات “و”صقيع” ثم “ظلال العاشق (التاريخ السري لكموش)”. وهو تراكم يؤشر أيضا على تراكم خبرات في الكتابة الرقمية ، تتميز بتفردها في العالم العربي ، وريادة صاحبها بشكل مطلق . وهو ما يدفعنا إلى التساؤل :
1/ ما هي طبيعة هذا الإصرار من قبل محمد سناجلة على جعل التكنولوجيا عامة ، والتكنولوجيا المعلوماتية خاصة ، أداة لتسريد الحكي ما بين الواقعي والافتراضي ؟

2/ هل يؤدي التطور التكنولوجي المتسارع بوثيرة فائقة ، إلى تغيير البنية الذهنية للكاتب الرقمي بذات السرعة ، وبالتالي التغيير في البنية التخييلية الترابطية للنص الرقمي ، حيث تغدو هذه البنية عبارة عن لعبة من لعب الفيديو ؟

3/ ما هو تأثير هذا التغيير على فعل / طقوس القراءة ، وعلى ذهنية القارئ من خلال البنية التفاعلية / التواصلية ؟

4/ هل يمكن اعتبار فعل أجرأة العتبات وتفعيلها دليلا على مأزق الكتابة الإبداعية الرقمية ، التي لا يمكنها بلوغ مدارك القراءة،إلا بإشراك القارئ في اللعبة “تلقيا” و”ممارسة ” و”توجيها” ، بحثا عن متعة ملاحقة المعنى/ المعاني ؟

1/ السياق العام ل “ظلال العاشق”

مما لا شك فيه أن الكتابة بكافة أشكالها (ورقية كانت أو رقمية ) هي بدءا تدخل في خانة التواصل الاجتماعي والثقافي .وتتميز الكتابة الرقمية عن نظيرتها الورقية بهندستها وبنيتها التي تغرف من التكنولوجيا وعالمها المتغير والمتجدد ، آليات تشكلها ، وهي آليات تتغير بسرعة ، وتتطور تقنياتها وفق مستجدات التكنولوجيا .وبالتالي يجد الممارس للكتابة الرقمية نفسه أمام تحديات جسام ، يتجلى أهمها في “صناعة” الكتابة وفق هذه الخطوات المتسارعة للتكنولوجيا ومكوناتها خصوصا ما يتعلق بالوسائط المتعددة والتركيب الفني والإخراج الرقمي ، مع تجاوز أنماط السرد المستعملة في الكتابة الورقية ( رواية / قصة ..) إلى أنماط أخرى قادرة على المزاوجة بين التكنولوجيا بكافة أبعادها وبين التخييل السردي الذي يتخذ من التقنيات الآلية والوسائط المتعددة ركيزة أساسية من أجل بناء الحكي والتفنن في تركيبه وتشخيصه ، ليعطي بالتالي تميزه واختلافه عن التخييل السردي الذي ينكتب ورقيا .

نود هنا أن نستحضر جانبا مهما من الإبداع الرقمي من خلال ” البعد المرئي” “والتخييل الرقمي” في بناء الهيكل العام للرواية الرقمية ؛ويعتبر لويس باستون أستاذ علم الجماليات بجامعة مونتريال بكندا أول من طرح فكرة المتخيل الرقمي سنة 1985 حيث يقول في حوار خاص مع الباحث المغربي عبده حقي ” … إننا نريد أن نتكلم عن الصورة الرقمية عبر سؤال إلى أي مدى تكون هذه الصورة الرقمية مدركة ومرئية بواسطة الحاسوب و بواسطة الهندسة التكنولوجية ، إن مفهوم المتخيل يغير مسألة الصورة وذلك بوضعها من وجهة نظرعريضة وعميقة ؛ فلقد اخترت مقاربة عامة للصورة وذلك بأن جعلت منها مسألة أنتربولوجية وجمالية وإبستمولوجية وقد أثارهذا التصور بعض المهتمين الذين رأوا في هذه الصورة مجرد إفرازات صناعية أوعلوم تطبيقية .”

تتجلى أهمية الصورة إذن في بعدها الأنتربولوجي والجمالي والإبستمولوجي الذي يسمح لها بالتموقع المناسب داخل التخييل الرقمي و بالتالي خلق أشكال فنية جديدة ، وهذا لا يعني بالطبع أن كل جمالي هو فني بالضرورة حسب باستون ” وسأظل أكثرحذرا فيما يخص مسألة فن الصورة الرقمية وهذا راجع أساسا إلى حقيقة مفادها أن الصورالحديثة تتبدى لنا غالبا بعناوين فنية : كليشيهات واستيريوتيبات بدون مستقبل فني ،حيث المؤثرات عبارة عن رجة وصدمة مؤقتة تمدنا بأبعاد جمالية خاطفة وهذا لن يسعفنا للتحدث عن الفن بحيث إذا كان كل فن يشتغل على العنصرالجمالي فكل تجربة جمالية لاتعطي بالضرورة شكلا فنيا … إنه شيء جمالي وليس فني .”

وما بين التجربة الجمالية والشكل الفني ،يحضر “الافتراضي” و”الواقعي ” بكل تأثيراته في البنية السردية ل “ظلال العاشق ” محملا بتقنية جديدة في الكتابة الرقمية تجمع بين الروابط والهوامش و ” تقع الرواية في 300 ميغابايت، ومشغولة على برنامج فلاش ماكروميديا مع لغة رقمية جديدة ومتطورة تعتمد كثيرا على فنون الأنيميشن والجرافيكس والصورة والحركة والصوت والموسيقى والأغاني والاخراج السينمائي والبرمجة الالكترونية بالإضافة الى استخدام تقنية النص المترابط (الهايبرتكست) في بنيتها، لتحقق تزاوجا مدهشا وفريدا بين الرواية والأدب والتقنية ومختلف أنواع الفنون الانسانية، ويؤشر لولادة جنس أدبي جديد في العالم، وتداخلا أجناسيا سيربك النقاد بلا أدنى شك . وتضم الرواية لأول مرة في الأدب العربي وربما العالمي مشاهد جنسية واقعية وصريحة، ومشاهد حقيقية من الحرب السورية الدائرة رحاها بالإضافة الى الكثير من المشاهد السينمائية من أفلام مختلفة منها فيلم “لورد أوف ذا رينغ” وأغاني لعبده موسى وموسيقى ومؤثرات صوتية مختلفة.”

وفي الوقت الذي تتخذ فيه الروابط شكلها المعتاد في الانفتاح عند النقر عليها على عناوين لنصوص سردية : زمن الشجر / الزمن العماء / العاشق وحيدا / عتيق الرب ، وصور وأفلام فيديو متنوعة مابين برنوغرافية ووثائقية (إحراق الطيار الأردني من طرف داعش ) ومعارك على صيغة ألعاب فيديووأشرطة صوتية لأغاني فلسطينية وغيرها؛ فإن الهوامش تأتي محملة برصيد معرفي يمزج بين الشعر والأسطورة والدين والسياسة وأسماء الأعلام والمعارك عبر التاريخ الإنساني والأقوال والمأثورات والحكم التي تدفع بالقارئ إلى الانتقال بين الواقعي والافتراضي ذهابا وإيابا إلى درجة الإعياء في ارتياد ما يشبه المكتبة الضخمة المتفرعة إلى أجنحة متخصصة في المعارف والعلوم والإنسانيات والتراث… إن نص “ظلال العاشق “يعلن تشظيه بشكل صارخ عاكسا بذلك التشظي الذي نعيشه في واقعنا الحقيقي .ومن تم إعلان محمد سناجلة في العديد من كتاباته وتعليقاته وتعريفاته لمنجزه الرقمي بأنه يكتب رواية رقمية واقعية .حتى وإن لبست في حالة ” ظلال العاشق” عباءة “لعبة فيديو”.

إن استحضار محمد سناجلة لعبارة “رقمية /واقعية دفعته إلى ابتكار مفهوم آخر” الورقمي” يرصد من خلاله بدقة ، حالة انتقالية تعيشها الإنسانية في علاقتها بالكتابة بصفة عامة والكتابة الإبداعية الرقمية على وجه الخصوص متسائلا ” … هل نحن رقميون 100%، هل انتقلنا بالكامل من مرحلة الإنسان العاقل إلى الإنسان الافتراضي، أو السؤال بطريقة أخرى اكثر لؤما، هل انتهى عصر الورق فعلا، أم أننا ما زلنا نستخدمه بهذه الدرجة أو تلك.

الاجابة بكل تأكيد لا، نحن لسنا رقميين بالكامل حتى اللحظة، ولا يوجد إنسان واحد على وجه الارض يزعم أنه تحول إلى إنسان افتراضي رقمي 100%. ما زلنا نستخدم الورق وما زلنا نغادر منازلنا في الصباح، ونستخدم السيارات للذهاب إلى مكاتبنا وشركاتنا ووظائفنا ، لماذا؟ لأننا ما زلنا نعيش في زمن التحولات، لأننا ما زلنا في لحظة الولادة العظيمة التي لم تكتمل بعد.

إذا للإجابة على السؤال من هو الورقمي، أقول نحن ما زلنا جميعا ورقميين، بهذه الدرجة أو تلك، بعضنا ورقي بنسبة 20% ورقمي بنسبة 80% وهؤلاء هم أبناؤنا، جيلي رقمي بنسبة 60% فقط، الأكبر سنا، رقميون بنسبة 30% وهكذا، ما زلنا جميعا ورقميين نعيش لحظة التحول العظيمة، لحظة الخلق الأكبر للإنسان الرقمي الذي لم يوجد بعد بشكل كامل 100%.”

هذا القول يعطينا بعض المؤشرات حول البنية التراثية لمحكيات “ظلال العاشق” ؛ إنه تكثيف للحظة التاريخية التراثية العربية عبر الزمن ،الذي يمتد لقرون طويلة، وكأن محمد سناجلة يؤسس أرشيف الذاكرة العربية ، قبل الانتقال إلى ما سماه آنفا ب ” لحظة التحول العظيمة ” التي ستولد لحظة أخرى هي ” لحظة الخلق الأكبر للإنسان الرقمي ” .والتي ربما ستولد الرواية الرقمية الحقيقية التي ستنزع عنه رداءها السردي الحالي لتدخل عالما جديدا سيكون فيه الإنسان الرقمي(أي القارئ / المتلقي على وجه الخصوص) قد بلغ مدارك عالية من التقنية والتمكن التكنولوجي ، الذي يستحق معه كتابة رقمية بمواصفات عالية يتجاوز معها القارئ مفهوم : ” الورقمي ” إلى مفهوم ” الرقمي “.

وهو بهذا التجاوز يؤكد بأن تغير الوسائط المعرفية يؤدي إلى ” تغير وعي الإنسان بالأشياء وبالعالم ويتغير تبعا لذلك شكل تفكيره وطرق تدخله في الواقع لفهمه وتفسيره وتغييره”. وهو تغيير يشمل اللغة أيضا حيث ” يجب علينا التركيز على تمحيص الخصائص اللغوية لما يسمى بالثورة الإلكترونية ، وإلقاء نظرة على ما إذا كانت الطريقة التي تستخدم بها اللغة في الإنترنيت آخذة في أن تصبح مختلفة كثيرا عن سلوكنا اللغوي السابق بحيث يمكن بحق أن توصف بأنها ثورية ، أولا “.
وقبل الدخول في مقاربتنا للبنية التفاعلية من خلال عتبات لعبة الكتابة الرقمية ل “ظلال العاشق” لا بأس من التذكير بالفرق بين الرواية التفاعلية والرواية ورواية الواقعية الرقمية ؛أما الأولى فهي ذلك النمط من الروايات ، التي يقوم فيها المؤلف بتوظيف الخصائص التي تتيحها تقنية النص المترابط ، والتي تسمح بالربط بين النصوص سواء أكانت نصا كتابيا ،أم صورا تابثة أو متحركة ، أم أصواتا حية أو موسيقية أم أشكالا جرافيكية متحركة، خرائط ، أم رسوما توضيحية ، أم جداول …باستخدام وصلات تكون دائما باللون الأزرق …تقود إلى ما يرتبط بالموضوع نفسه ،أو ما يمكن أن يقدم إضاءة أو إضافة لفهم النص بالاعتماد على تلك الوصلات . أما رواية الواقعية الرقمية ، كما قدمها محمد سناجلة في كتابه الإلكتروني (رواية الواقعية الرقمية) فهي تلك الرواية التي تستخدم الأشكال الجديدة التي أنتجها العصر الرقمي ، وتدخلها ضمن البنية السردية نفسها ، لتعبر عن العصر الرقمي والمجتمع الذي أنتجه هذا العصر ، وإنسان هذا العصر ( الإنسان الافتراضي )، وهي أيضا تلك الرواية التي ترافق الإنسان بانتقاله من الواقعية إلى الافتراضية.

ولا بأس من التذكير بأننا في الجزء الثاني من هذا المقال الخاص بالبنية التفاعلية ل رواية “ظلال العاشق” ، لن نتطرق للبنية التفاعبية العميقة للنص ، أي الروابط والهوامش التي تشكل الهيكل العام لبنية “ظلال العاشق” ،بل سنقف عند “الواجهة” التي صدر بها محمد سناجلة إبداعه الرقمي ؛ والتي ارتأينا أن نسميها ب” البنية التفاعلية التوجيهية” ، لأنها تتضمن إرشادات وتوجيهات إلى القارئ- عبر محورين – من أجل مساعدته 1/ على قراءة النص من خلال ثلاثة اختيارات 2/ تقترح عليه آليات التفاعل مع هذا النص من خلال خمسة عشر “عتبة ” .

وهنا نقترح تساؤلات بخصوص هذا ” التوجيه” أما زال القارئ العربي في حاجة إلى توجيهات كاتبه الرقمي من أجل إنجاز قراءة رقمية فعالة ؟ هل يدخل مفهوم ” الورقميون ” الذي اقترحه سناجلة ضمن ما يمكن أن نسميه ب ” حق ” الكاتب الرقمي المتمرس والخبير، في إدارة فعل القراءة الرقمية لقارئ ،لازال في مرحلة التتلمذ على كل ما هو رقمي ،و في انتظار ما سماه سناجلة ” الخلق الأكبر للإنسان الرقمي؟هل تشكل هذه العتبات التوجيهية عودة قوية للكاتب (بصفته الرقمية) بعدما أزاحته البنيوية لتعلي من شأن النص ، ولا شيء غير النص ؟

2/ مقاربة لعتبات لعبة الكتابة الرقمية :

تكشف لنا الصورة أعلاه شكل البنية التفاعلية التوجيهية ، التي يقترحها محمد سناجلة على القارئ ؛ وهي عبارة على إطار مستطيل محمل بأيقونات .فإذا بدأنا بيسار الإطار سنجد في أعلاه إحالة على الفيسبوك وعلى التويتر لتواصل أكثر مع الرواية .وفي الوسط عبارة : الموقع التفاعلي مع مؤشرات على عدد الزوار الذين يدخلون إلى الصفحة ، ثم عنوان الرواية “ظلال العاشق” باللون الأحمرتتدلى منه قطرات للدلالة على “الدم” المسفوك في الحروب عبر التاريخ العربي ، وهو ما يشير إليه العنوان الفرعي : “التاريخ السري لكموش “باللون الأزرق الذي يؤشر على العالم السيبيرنيتيكي الذي تسبح فيه (إن صح التعبير) هذه الرواية الرقمية .ويضم هذا الإطار خلفية عبارة عن مجموعة من الجنود وخلفهم كثبان رملية تحدد الموقع الجغرافي للعالم العربي ( الشرق الأوسط على وجه الخصوص) وعليها بناية كبيرة عبارة عن قصر، مركز السلطة والمحرك الأساسي للعبة الحرب والسياسة.وفي أسفل هذا الإطار على اليمين توجد ثلاثة إطارات مستطيلة صغيرة تفاعلية تتضمن التوجيهات الأولية التي يقترحها الكاتب على القارئ :

نسخة خاصة للتحميل
اضغط هنا ( ننصحك بهذه النسخة)

نسخة الأنترنيت
اضغط هنا

شراء نسخة أوتبرع

قبل الاسترسال في التحليل نذكر بالجزء الثاني من عنوان هذا المقال وهو: “مقاربة لعتبات لعبة الكتابة الرقمية ” وهو تذكير يتوخى وضع كلمة ” لعبة ” في إطارها اللغوي والإجرائي الذي اقترحه سناجلة للتعامل مع منجزه الإبداعي ،على أساس أنه “لعبة ” فيديو. كما وجب التذكير بأن الكاتب قد أسر لنا في مراسلات متبادلة حول عمله الجديد ، بأنه من عشاق لعب الفيديو منذ مرحلة الطفولة : “هناك لعبتان إلكترونيتان أدمنت عليهما كثيرا:
لعبة وأنا طفل كان اسمها Bomber man
ولعبة وآنا كبير وما زلت ألعبها اسمها Age of empires
لن أقول أكثر”

إنها لعب يحب ممارستها ، وبشغف كبير ، إلى درجة نسج روايته الأخيرة على شاكلة لعبة . بل إن سناجلة يمارس اللعب مع القارئ نفسه ،فبالعودة إلى الإطار الأول نجد أن عبارة : ” ننصحك بهذه النسخة ” ليست نصيحة خالصة ، بل هي” النصيحة الفخ ” خصوصا على مستوى المنجز القرائي( سنوضح هذا الجانب فيما سيأتي من تحليل ) ، أماعلى مستوى التحميل فإن عوائق تقنية تعتري فعل التحميل الذي يتسم بالبطء الشديد ، ونفس الأمر بالنسبة لنسخة الإنترنيت حيث تضطر لإعادة التشغيل مرات عديدة يقتطع فيها حيز زمني مهم قبل أن تفتح لك النسخة أبوابها .

أما بخصوص شراء النسخة أو التبرع فإنها لا تلقى تجاوبا من قبل القارئ وهو ما يؤشر على رغبته في ما هو مجاني بدل الشراء أو التبرع ،وهو دليل آخر على سيكولوجية الإقبال على مجانية التحميل،ونستشف منها كذلك أن القارئ هو الآخر يمارس “لعبته” مع الكاتب ، لعبة شطرنجية يحاول من خلالها كسب رهانه القرائي دون خسارة .
وإذا عدنا إلى الإطار الخاص ببنية العتبات التفاعلية التوجيهية سنجد على يمين الإطار (انظر الصورة أعلاه) خمسة عشرة عتبة / رابط، وسنضع إلى جانب كل عتبة تعليقا حسب أهميته ودلالاته :
1- الصفحة الرئيسية

2- قراءة أخرى مختلفة : تستطيع أن تقرأ وتتصفح الرواية بطريقة / طرق أخرى مختلفة تماما عن القراءة السابقة التي اقترحها علينا محمد سناجلة من خلال نصيحته ( ننصحك بهذه النسخة) ، حيث ستجد نفسك أمام رواية أخرى مختلفة.عند النقر على الرابط تتجلى أمامك صفحة تضم أربعة روابط تقترح عليك أربعة عناوين لمحكيات ، وكل محكي يسلمك في نهايته إلى محكي آخر وهي من اليمين إلى اليسار :
1- زمن الشجر
2- الزمن العماء
3- العاشق واحدا
4- عتيق الرب ( ف
ي هذا المحكي تتم الكتابة بلعب الفيديو)
وهذ الترتيب ليس ترتيبا منطقيا على مستوى التراتبية (1-2-…..) بل هو لعبة أخرى يمارسها الكاتب ، حيث تبين لنا أن البنية السردية الرقمية للرواية تتبنى على مستوى التلقي / القراءة الترتيب التالي :
1- الزمن العماء
2- زمن الشجر
3- العاشق وحيدا
4- عتيق الرب ( في هذا المحكي تتم الكتابة بلعب الفيديو)
مع التذكير أن النسخة التي ينصح بها الكاتب تبدأ بالمحكي الذي
يحمل عنوان : ” عتيق الرب” .

3- كلمة المؤلف : في هذه العتبة /الرابط ، يقدم سناجلة بعضا من أسرار كتابته ل”ظلال العاشق” ، معترفا بأنها كتابة أعادت الاعتبار لروايته ” ظلال الواحد ” التي لم تنل حظها من التداول .واضعا “ظلال العاشق” أمام إشكالية التجنيس الأدبي ن متسائلا عما إذا كانت رواية أو شكلا آخر من الأشكال الأدبية :
“كان لدي دائما حلم قديم، وهو أن أعيد إخراج رواية “ظلال الواحد”… كنت أشعر دائما أن هذه الرواية قد ظلمت، ولم تأخذ حقها على كافة الأصعدة، لكن كسلي وبلادتي الذاتية كانت تمنعني من هذا الفعل حتى جاءت اللحظة فعلا في صيف السنة الماضية، حيث كنت أعيش عاطلا عن العمل في دبي…وأن تعيش عاطلا عن العمل في أي مكان فهي مشكلة، أما في دبي فهي أم المشاكل كلها… العطالة والوقت الكثير المهدر أعادا إحياء الحلم.

خرجت من كسلي وبلادتي، وبدأت بالفعل في إعادة كتابة وإخراج الرواية من جديد، أو بالأصح أحد فصولها، وفجأة، وبدون وعي مني أخذت “رواية” جديدة تظهر، عمل آخر مختلف متمرد ومفتون لا أعرف ما هو بدأ بالتشكل ككائن اسطوري يخرج من قلب الرماد، “رواية” تمردت تماما على ظلال الواحد وعلي معها، وأخذت تشق طريقها وحدها معلنة بداية جنون وعشق وحب جديد.. تركت الموجة تعانقني وتأخذني لبحرها الهادر.

ولدت “رواية” ظلال العاشق من رحم رواية “ظلال الواحد” وهي منها، لكن مهلا….هل “ظلال العاشق” فعلا رواية أم أنها شيء آخر مختلف تماما؟
أنا أعطيتها اسم “رواية” مجازا لكني أول من يشك بهذه الصفة، وأول من يتمرد عليها، هل هي رواية أم جنس أدبي جديد يتشكل تماما ولا أعرف له اسما بعد.أترك الإجابة لكم وللتاريخ”.

تتمظهر هنا لعبة الكتابة الرقمية من خلال اللعب على إنجاز كتابة رقمية جديدة على أنقاض كتابة رقمية سابقة لم تنل حظها على مستوى القراءة ، نظرا لصعوبة الانتقال من الورقي إلى الرقمي عند الجمهور الذي قرأ أول رواية رقمية لمحمد سناجلة على مستوى العالم العربي ، والتي تلقت نقدا لاذعا من مناصري الكتابة الورقية ضدا على نظيرتها الرقمية .

وما بين “ظلال الواحد” و”ظلال العاشق” احتفظ سناجلة بالكلمة الجامعة بينهما ” ظلال” ليدخل من خلالها إلى لعبة التشكيل الرقمي لإبداعه الجديدة . ولم يكتف بهذه اللعبة ، بل عمد إلى لعبة “التجنيس الأدبي” ل”ظلال العاشق” دافعا القارئ إلى الدخول في لعبة البحث عن موضعة هذه الكتابة في سياقها الأجناسي ، ولا يبدو على سناجلة الاستعجال في الحصول على نتيجة هذه اللعبة بينه وبين القارئ ” أترك الإجابة لكم وللتاريخ” لا تهم حدود هذا التاريخ ، المهم هو ” اللعبة”

4- مقدمة : مختصرة جدا تتناول تجربة سناجلة الجديدة
5– اكتب تعليقا : تفاعل ضعيف
6- اكتب نهاية أخرى : تفاعل ضعيف
7- اكتب روايتك (لعبتك) : لا تفاعل ، مع ملاحظة أن سناجلة يشبه كتابة الرواية باللعبة.
8- روايات أخرى للمؤلف : غير قابلة للتحميل

9- سيرة ذاتية : عند تفعيل هذا الرابط لا تجد نفسك أمام سيرة ذاتية بالمعنى المتعارف عليه ( وهذه لعبة أخرى ) يعرض سناجلة في هذا الرابط مقالا نشر سنة 2008 لسوزان إبراهيم تقدم من خلاله مسار محمد سناجلة مع الكتابة الرقمية وريادته العربية ، وتنظيره لرواية الواقعية الرقمية .
10- راسل فاطيما : لا تفاعل
11- راسل الإله كموش : لا تفاعل
12 – تواصل مع المؤلف : تفاعل لا بأس به بالنظر لتاريخ الإصدار.
13- الرواية في وسائل الإعلام : جيد باعتبار الحيز الزمني ما بين النشر والتلقي الإعلامي. حيث يضع الكاتب قارئه داخل مسارات تزاوج بين القراءة و الاطلاع عن كثب على الرواية في وسائل الإعلام ، وهي بمثابة لعبة الذهاب والإياب بين المنجز الإبداعي والمنجز الإعلامي .وفيما يلي بعض النماذج :
ظلال العاشق في وسائل الإعلام

صحيفة الرأي اليوم
http://www.raialyoum.com/?p=373853
موقع 24 الاماراتي
http://24.ae/article.aspx?ArticleId=213502
ميدل ايست اونلاين
http://www.middle-east-online.com/?id=215577
صحيفة جديد اليوم
http://bit.ly/1OuIpqI
الرأي الأردنية
http://www.alrai.com/article/761489.html
موقع ثقافات
http://www.thaqafat.com/News.aspx?id=46427&sid=18#.VpZLqlPUhMs
شبكة إرم الاخبارية

ظلال العاشق.. رواية رقمية جديدة من نوعها لمحمد سناجلة


الدستور الاردنية
http://bit.ly/1QascLZ
موقع سرايا نيوز
http://www.sarayanews.com/index.php?page=article&id=345274
أصوات الشمال- الجزائر


اليمن نيوز
http://yemen.shafaqna.com/AR/YE/757069
موقعي صحفي
http://www.sahafi.jo/files/b3b3cf7d788440d34691c1f58c9c52c063e35037.html
موقع AEL
“Shadows of the Amorous”: A New Arabic Electronic Novel by the Pioneer of Arabic E-Lit Mohamed Sanajleh

14- مقالات ودراسات عن الرواية : تفاعل ضعيف لحد كتابة هذا المقال.
15- انقد الرواية : تفاعل ضعيف.

تشكل هذه العتبات / الروابط جانبا من لعبة الكتابة الرقمية عند محمد سناجلة ، وهي عتبات تسند النص الروائي ،وتخرجه ، أو تحاول إخراجه ،من تغريبته الرقمية (إن صح التعبير )بأن تخلق له امتدادت مع عالمه الخارجي / الواقعي ؛ من خلال ، ما أسلفنا ذكره ، بلعبة الذهاب والإياب،خصوصا الروابط التالية :اكتب تعليقا / اكتب نهاية أخرى / اكتب روايتك (لعبتك) / راسل فاطيما / راسل الإله كموش / تواصل مع المؤلف / الرواية في وسائل الإعلام / مقالات ودراسات عن الرواية / انقد الرواية.
تركيب :
إن إصرار محمد سناجلة على جعل التكنولوجيا والمعلوماتية أداة لتسريد الحكي ، يأتي لدعم المرحلة الانتقالية التي يعيشها الأدب بتحوله من الورقي إلى الرقمي ، وبالتالي التأسيس لنظرية أدبية رقمية،حيث يقول ” لكن متى ستنتهي هذه المرحلة الانتقالية؟ أقول ليس بعيدا أبدا، أحفادنا أو أبناء أحفادنا على أبعد تقدير سيكونون رقميين فقط، بلا ورق وبلا سيارات للذهاب إلى العمل في ذاك الصباح الذي لن يكون صباحا. سنصبح رقميين بالكامل حين نتخلص من مشيمة الورق، ونقطع سرتنا الشجرية بالكامل”.

وفي انتظار تحقق هذه المرحلة الانتقالية فإن التكنولوجيا لا تنتظر أحدا فهي مستمرة في التطور ومعها تتطور ذهنية الكاتب الرقمي ، الذي يعمل على تجديد البنية التخييلية لنصه الرقمي الترابطي الذي ربما سيتجاوز سياق لعب الفيديو إلى أشكال أكثر تعقيدا .ولن يكون القارئ بأي حال من الأحوال ، بعيدا عن هذه المتغيرات.ومن مظاهرهذه المرحلة الانتقالية ،في رأينا ، هو وجود الكتابة الرقمية أمام مأزق تواصلي داخل الإطار العام لفعل التلقي. ولعل العتبات الروابط الآنفة الذكر تشكل بعضا من تجليات الأزمة التواصلية مع القارئ ، الذي هو الآخر ، كما النص الرقمي ، يعيش تغريبته القرائية الرقمية . الأمر الذي فطن إليه محمد سناجلة ، فانبرى إلى تجهيز “طريق سيار ” يساعد القارئ على بلوغ متعة ملاحقة المعنى / المعاني ، من خلال العتبات التفاعلية .فهل سيتفوق هذا القارئ الافتراضي على ذاته ،ويخرج من هذه المرحلة الانتقالية منتصرا ، و ملبيا دعوة محمد سناجلة له بكتابة روايته / لعبته ؟

‘ظلال العاشق’ رواية الخيال الخصب والتقنية المبتكرة

يناير 24th, 2016 كتبه

بقلم: الدكتورة لبيبة خمار

يتميز محمد سناجلة في كتاباته الرقمية بانطلاقه من تصور إبداعي خاص يبني به كونه الروائي الرقمي ويؤثته بأثافي تمشهده وتجعله فرجويا، وإمتاعيا، ومعرفيا يتجاوز اللحظة الراهنة والزائلة ليعانق عبرها الإنساني بكل تمظهراته،ولعل هذا ما نلاحظه من خلال منجزه الرقمي “ظلال العاشق، التاريخ السري لكموش” الذي جعل منه آلة مولدة للنصوص التي تلتغي فيها المسافات فتخترق بعضها، وتنفتح على البعض، وتلتغي فيها التصنيفات فليس فيها مركزي ولا هامشي، وتنتفي فيها التحديدات فلا بداية ولا نهاية، لا وسط ولا طرف وإنما كون مُكوَّر كل نقطة فيه هي البداية والنهاية، المنشأ والتطور.

آلة مولدة للقراءات، والكتابات التفاعلية اللانهائية، ومولدة للتأويلات الانفتاحية المتعددة المشارب، والإحالات الدينية، والثقافية، والأسطورية والأحداث والوقائع المستنبتة من واقع بعينه أو الموغلة في الإيهام، والإلغاز، والرمزية التي يصبح فيها السرد الرقمي احتفاء بالمعرفة، وتلفظا دائم التفكير بالرابط، والعقدة، وآلية النقر، وكيفيات العرض.

والتفكير في طرائق صوغ الكون الروائي المرقمن، والرؤية إليه، وكيفيات تصويره وإكسابه حركية، وحيوية لتقديمه على الشاشة، وتجسيد دلالاته زمانيا ومكانيا والقبض على إيقاعها؛ أي كيفيات كتابة الرواية الرقمية وكيفيات عرضها على الشاشة التي تتقدم كحركة ما بين نسج، وعرض، تأليف، وإخراج، وتداول تفاعلي قرا-كتابي.

ذاك أن الكون الروائي الرقمي يتكون من حركة أفقية تمثل سيرورة الكتابة والخلق، وأخرى عمودية تمثل سيرورة القراءة والتلقي ولعل هذا الوعي النظري، الإبداعي الرقمي هو ما جعل “محمد سناجلة” يصمم موقعه التفاعلي الخاص آخذا بعين الاعتبار التفاعل الحاصل بين الحركتين فوزعه بشكل يسمح باستمرار سيرور الكتابة بانفتاحها على عمليات القراءة المتباينة من خلال اللعب على حدود ترهين “القرا كتابة” الذي يتحول بموجبه القارئ إلى كاتب/مشارك ويتحول الكاتب إلى قارئ تفاعلي يقرأ كتاباته وكتابات غيره حيث صمم موقعه بشكل انفتح فيه على القارئ عبر روابط تفاعلية داخلية تروم التأثير المباشر، والفعال في الرواية لنقف عند رواية أخرى تفاعلية، وتشاركية وذاك عن طريق:

• مراسلة شخصياتها الرئيسية من خلال كتابة رسائل توجه مباشرة للإله كموش، ولفاطيما،

• فتح المجال للقارئ ليشارك في كتابة روايته أو لعبته، أو من خلال المساهمة في كتابة نهاية أخرى للرواية.

كما أتاح التفاعل عبر روابط خارجية لا تسمح بالتدخل في العمل، والمساس به ككتابة تعليق، ومراسلة المؤلف. مع الانفتاح على النقد والقراءات البعدية الواصفة للعمل من خلال الرابط النقدي: اكتب مقالة نقدية.

1. ظلال العاشق، رواية الخيال الخصب، التقنية المبتكرة والنقد المنتج:

تشكل رواية “ظلال العاشق” رفضا للتاريخ الإنساني، والإسلامي، والعربي الذي بنى أمجاده، وحصونه على الدم، وعلى السبي، والغنائم. ودعوة إلى مساءلته وإعادة النظر في المرتكزات التي يرتهن إليها ويتقوم بها، وإلى مراجعة ونقد مدونتنا العقائدية، والتراثية والأسطورية والنظر إلى الدين أو النقل بعين العقل والتمحيص كي نتمكن من الخروج من برك الدم الآسنة.

لذلك فهي تتقدم كمغامرة لأنها باستلهامها لأساطير الخلق، والتكوين وجعلها تتقاطع مع الخلفية الدينية التوراتية، والمسيحية، وتناصها مع حادثة الذبح والافتداء في صيغتها الإسلامية تصدم المبحر، وتهزه مخلخلة بعضا من نظم معتقداته قصد الوصول به في النهاية إلى جوهر الدين الذي يلخص في كونه سلاما وحرية لأن من “عرف الله تحرر”(الرواية) وبدون هذه المعرفة الوجدانية، والمجاهدة الصوفية، والعقلية، والاتحادية الانصهارية التي يصبح معها الإنسان ظلا لله، وتجل من تجلياته النورانية يتحول المعبود إلى إله كموشي وثني، ودموي يتحكم في مصائر العباد، ويحكمها بالسلاح، والدم. ويصبح الإنسان بتاريخه الطويل، ومصيره وقدره، وأحلامه، وهادي الأرض ومن عليها، وما سكب عليها من دم، وما دفن فيها من جثت مجرد لعبة في يد طفل صغير!


لكن ما هو تحدي الكتابة الرقمية إزاء هذا الزخم النصوصي، وهذه التقاطعات اللغوية، والتناصات التاريخية، والصوفية، و اللحظات الشاعرية والرومانسية، والإشراقية؟

 كيف صاغت هذا التيه الوجودي، والتخبط العقائدي، ودوائر التاريخ التكرارية، كيف صاغت كل هذا سردا مرقمنا؟

 كيف مشهدت المتاهة؟

 وما التقنيات، والآليات الرقمية التي وظفتها وسردتها لتفكيك الراهن عبورا نحو رواية الواقعية الرقمية؟

تتقدم ظلال العاشق باعتبارها أنموذجا فريدا للروايات التفكيكية التي استخدمت التفكيك كرؤية فلسفية ونهج وآلية كتابية من خلالها فكك المبدع النصوص المستلهمة، وأعاد بناءها وفق رؤاه الإبداعية، والفكرية، والوجودية الإنسانية مرتكزا على آليات الهدم والبناء لينسف المقولات الأساس التي ترتكز عليها هذه النصوص في سياقاتها التداولية والمعرفية، والعقائدية ويبين هشاشتها من خلال ضرب القيم الثقافية الأساسية للاستقرار، والأمن، والنظام لتحويل السرد الرقمي إلى عامل عدم استقرار وتنافر، وانعدام الأمن، والاضطراب، والصراع لذلك عمد إلى وضع النصوص المختلفة الشفرات جنب بعضها البعض وبهذا الدمج والتجاور باتت تبدو للمبحر غير منطقية وأضحى يستشعر أن ظلال سردية غريبة تلوح مع كل نقرة.

ومن نماذج هذا التجاور التفكيكي نقف عند النصوص التالية من العقدة السردية المعنونة بــ “عتيق الرب”:

النص الأول النص الثاني النص الثالث

“أخذ بناصيتي فرفعني إليه حتى كادت نفسي أن تزهق، ثم رماني، ثم عاد فرفعني من ناصيتي إلى عليائه ثم رماني، ثم عاد ورفعني من ناصيتي إلى عليائه ثم رماني. ثم صاح بي: عماد الدم”

“سأنحر في معبد الرب مائة من الإبل محرقة ليرضى”

“دلاني أبي على المذبح واستل خنجره من غمده ثم وضع حده على عنقي (…) فإذا برب الأرباب كموش المتعال بجلاله وعظمته، وقد لبس آلة حربه، يقود عربته ويمسك بيديه كبشا عظيما ما رأى العباد أضخم منه ولا أجمل وهو يصيح: إنا فديناه بذبح عظيم”

إن هذا النهج التفكيكي يدفعنا للحديث عن كيفيات بناء هذه الرواية الرقمية.

2. كيفيات بناء الكون الروائي المرقمن:

إن تعريف الكتابة في النص الأدبي يتقاطع وتعريفها في النص الرقمي حيت تتقدم كنسيج تناصي تتقاطع فيه النصوص المتعددة والمختلفة من حيث الجنس، والنوع، والنمط، المحايثة والمتباعدة زمانيا ومكانيا، وثقافيا ولغويا.

وتتضام لتشكل بنية تنهض على أساس التصادي والحوارية بما فيها من بارودية، ومعارضة أو تماثلية لكن الاختلاف يكمن في طبيعة هذا النسيج الذي لا يمكن أن يُتمثل ويفهم إلا بالنظر إلى كيفيات ترابط الخيوط وتلاقيها مشكلة عقدا تنسرب منها خيوط تتلاقى هي الأخرى لتشكل عقدا فأخرى وأخرى لتتضح معالم نسيج بلا حواف قابل للزيادة والإضافة، وكذا الحذف والنقصان بلا تشوه أو خلل يصيب بنياته لأنه في جوهره منفتح ودائم التشكل والتبدل. ليصبح الخيط والعقدة في صيرورة التشكل والتبدل هاته عماد النسج.

وهذا يعني أن الكتابة في النص الرقمي ترتكز على الرابط والعقدة وعلى المسار، والعلاقة أي الخيط الواصل ما بين العقد عبر الروابط راسما مسارات تتداخل أو تتجاور ليتشكل في النهاية ذاك النسيج العظيم اللانهائي التبنين والقراءة.

لكن هذا لا يعني أن مجرد الربط والترابط ما بين النصوص المختلفة قد يشكل النص الرقمي المترابط كما لا يعني أن القراءة الترابطية المرتكزة على الربط بين عناصر متعددة ومختلفة كافية للوصول إلى مرتبة القراءة المترابطة القائمة على التفاعل بما هو غمس، ولعب وتورط في النص وإقامة فيه وخروج آبق منه.

وبما هو مجاهدة وعرفانية تحول المستعمل إلى مبحر كريم ومريد قادر على تتبع المسارات والوقوف عند العقد وسبر أغوارها، وتتبع تمرئيها وتشظيها البلوري لملامسة سرها المخبوء، والخبيء وسط المتاهة.

لتصبح الكتابة الرقمية المترابطة، من هذا المنظور، وبالنظر إلى التجريب الإبداعي المعنون بــ”ظلال العاشق، التاريخ السري لكموش” لمحمد سناجلة والمجنس باعتباره رواية واقعية رقمية، نوعا من الخيمياء الذي يصير معه المبدع الرقمي خيميائيا عليما ومستبصرا بأسرار الإنجاز العظيم ــ بحسب تعبير باولو كويلو ــ وما حدا بنا إلى هذا النعت هو اعتماد هذا المنجز الرقمي إبان تشكله آليات سردية ورقمية جنحته وكثفته.

وجعلته رغم اندراجه المبدئي ضمن رواية الواقعية الرقمية يتعنت على كل محاولة تحاول تجنيسه وإدراجه ضمن هذا التصنيف أو ذاك فتارة تتبدى كالروايات التاريخية، وروايات الحرب، والمغامرة، وتارة كالروايات الصوفية، والدينية التي تذكرنا بروايات القرون الوسطى، وتارة كروايات الحرب، والحب، والمغامرة لنكتشف في النهاية أنها تندرج ضمن ألعاب الفيديو التي تجر المبحر ليصبح شخصية، حركية، وفاعلة، واندماجية عبر استراتيجيات الحرب الموضوعة، وعبر اختياراته التي تجعله يحارب مع هاته الصفوف أو تلك، وتجعله يختار أي ملك سيكون أأخاب بن عمري أم ميشع؟، وإلى أي قائد سيتحول، وبالتالي أي إله سينصره كموش أم يهوه أم غيره .. وبسلسلة الاختيارات هاته، والخطط الحربية التي يضعها، والأسلحة التي يوظفها وغيرها من الوسائل العقلية، الجسدية، والافتراضية المستعملة التي تجعل اليد تآخي العين يتجرد شيئا فشيئا من واقعيته ليتحول إلى كائن افتراضي.

إن التعددية الأجناسية التي تطرح مع ظلال العاشق تعود بالأساس إلى انهيار الحدود الفاصلة ما بين النصوص المستدعاة لبناء سقف النسيج الروائي والتي تترابط محافظة على خصوصياتها النوعية، وأجوائها المميزة مغيرة في بعض ثوابتها لتتمكن من الانصهار في القالب الروائي الرقمي خالقة حوارية لغوية، وأجناسية، وتقانية، وأدواتية جعلتها توظف عدة آليات لكتابة رواية خيميائية تنفتح على كل السرود، والأخبار، والحكايات، والأشعار التي تحس معها كأنك تقرأ كل الروايات. ومن ضمن هذه الآليات نذكر:

1. اعتماد مبدأ الفصل ثم الوصل من خلال تنشيط تقنية الرابط بكل معانيه المعلوماتية والفلسفية وقد مكنته هذه التقنية من اقتطاع لحظات تاريخية قديمة ومعاصرة، ولحظات إشراقية صوفية، ولقطات فيلمية أيروتيكية ووصلها بالنص الوصي وهدفه في ذلك الوصول بالقارئ/المبحر إلى حجر الفلاسفة ليتمكن من إشعال النار؛ نار الحكمة التي تشتعل خفية بين نتوءات النصوص، وتفرعاتها، وتشعباتها منيرة أعماقه آخذة بيده معلمة إياه عبر القصص أن التاريخ الحق، غير مسطر في الكتب ولا محفوظ في الخزائن، والوثائق العامة، ولا المدونات التراثية لأنه محفوظ في الظلال، والظل هو الأصل، الظلال اللائحة من تمفصلات النصوص الرخوة التي تستنبت منها وتولد النصوص بشكل لا نهائي.

معلمة إياه أن الله هو سلام ونور وكل الموجودات وكل ما يتألق هو ظل لألقه وكل الثقافات والديانات والفلسفات تجلٍ للأسراره الإلهية لذلك حاشاه أن يكون ظلاما، ودمارا، وحروبا تعلن باسمه ودماء تراق قربانا له وهذه هي الرسالة الخفية التي تعلنها النصوص في انفصالها واتصالها.

ويعلنها السرد المرقمن المعانق للتكنلوجيا عبر التركيز على تقنية الفصل والوصل كمبدأ خيميائي وجداني، وفلسفي يروم تغيير الراهن، والكائن المليء بالصراع، والمحل، وبكل أنواع القتل والتقتيل المجاني والعلو به ونقله من حالته تلك إلى حالة أنقى وأصفى وأنفس لذلك سعى المبدع إلى فصل هذه اللحظات وعزلها ثم اقتطاعها وإعادة إحيائها ووصلها في النصوص التي جاءت على هيئة هذه اللحظات مفصولة، وموصولة، مجتمعة، ومتفرقة. وقد كان من نتائج استخدام مبدأ الفصل ثم الوصل الخيميائي تطوير طرائق اشتغال الروابط.

1.1. تطوير عمل الروابط

لقد عمل المبدع “محمد سناجلة” على تطوير وظائف الروابط وطرائق اشتغالها وبروزها على الشاشة من خلال استدعاء تقنيتي الحواشي، والطيارات اللتين كانتا تستخدمان ورقيا لتحقيق نوع من الكتابة المترابطة، والتشاركية.

ولقد تم توظيفهما لقدرتهما على تطوير طرائق اشتغال الروابط، وأشير أني قد سبق ودعوت إلى استلهام تقنية الحاشية، وحاشية الحاشية، والطيارات، والأشكال الشعرية الهندسية التي انتشرت في كتابتنا العربية التراثية في كتابي: النص التفاعلي صيرورة الكتابة والتلقي ــ قيد النشر ــ وها أنا أرى تحققا وتحيينا لما كان مجرد فكرة طموح في “ظلال العاشق” التي عملت من خلال غوصها في الموروث الإسلامي على تطوير التقليد الكتابي الذي كان معروفا آنذاك وإلى تثويره، ومشهدته، ورقمنته واستدعائه ليوظف كتقنيات رقمية مُسردة تحمل عبق التاريخ، وبصمة الآن، وتحدي المستقبل.

وهذا الاستدعاء يتوافق والنهج الجدلي الذي ولدت في خضمه الظلال التي انبثقت كومضة من “ظلال الواحد” ثم ثارت عليها لتختط سننا كتابيا جديدا يرتكز على معايير كتابية وقرائية موءودة بُعثث لتحيا في لبوس جديد وهذا يتناسب ورؤية المبدع للتاريخ كعود أبدي.

إن اعتماد تقنية الحواشي المعلقة على جسد النص مكنته من تفريع النص وتوسيعه، ومن الشرح، والإيضاح، ورد الأقوال وإحالتها إلى أصحابها معتمدا في إظهارها على التسلسل العددي المشجر الرامز إلى الأنساب، وتاريخها وإلى عمليات القتل القربانية التي يتعرض لها الفروع من قبل الأصول مع احتمال العكس؛ فقد قرر ملك مؤاب “ميشع” فداءً لكل المؤابيين قتل ابنه ليكسب رضا الإله كموش ويساعده في حربه ضد اليهود الغازيين.

كما يرمز إلى ارتباط الأحداث، والوقائع التاريخية قديمها بحديثها بعلاقة السبب والنتيجة الأمر الذي يجعل كل حدث ماضوي حدثا مستقبليا معادا مما يرجح احتمال قتل الابن للأب من أجل القطعان والنساء كما يذهب إلى ذلك “فرويد” تحقيقا لمصالح، ومكتسبات ذاتية، فيقتل الأب معنويا من خلال قتل كل ما كان يعتقد فيه ويتمسك به من ثوابت فتموت القيم، ويموت الله وتبرز الآلهة الوثنية الدموية، ويُقتل الأبناء، فالآباء عبر العلاقة الجدلية الرابطة بين القطبين وتضمحل الحضارة، والثقافة والإنسانية ونعود إلى زمن الشجر، والعماء ولا مخرج إلا بمعرفة الله.

ويشير المبدع في العقدة السردية المعنونة بكموش في زمن الشجر إلى المحفز الأول للقتل المتمثل في الرغبة بحماية النسل، والنساء، والقطعان والحصول على الأمان والسلام “برمحي سأقتل كل أعدائي، وسأجعل في الأرض السلام لي ولأبنائي الذين سيحملهم البطن المقدس لفاطيما” (كموش في زمن الشجر) وهكذا قتل التنين “لوتان” أو “لوياثان” الذي يحضر برؤوسه السبعة كاستعارة تحيل على قوى العماء والفوضى التي تم القضاء عليها ليبدأ عهد جديد سمته الأساس النشوء والتطور وانتشار استعمال السلاح ليعود من جديد عصر العماء والفوضى.

فهل قُتل التنين “لوتان” فعلا أم أن الأمر يتعلق ببعث جديد وحلول في جسد آخر يجعل الإنسان في مواجهة دائمة مع الموت الذي يتسلى به كأنه لعبته المفضلة ليلتهمه أخيرا غير عابئ بأمجاده، وانتصاراته، إخفاقاته، وضعفه واستبساله في مواجهة هذا الضعف والخوف، هذا التجبر والعناد المكنى عنه بلوتان؟.

إن المبدع يتغيا من خلال استحضار أسطورة التنين لوتان ومن خلال تقنية الرابط/الحاشية أو الهامش الإشارة من جهة إلى تداخل المحكيات الإنسانية، وإلى تشابه المصائر والأقدار، واستمرار عصر العماء والفوضى. ودفعنا من جهة أخرى إلى التفكير في سبيل للخلاص، ثم كتابة تتمة لقصة أخرى، قصة “بعل” قاتل لوتان التي ستبتدئ، احتمالا، بالنشيد الذي يخاطبه فيه إله الموت قائلا:

” الآن وقد قتلت لوتان.

الآن وقد سحقت رأس التنين.

الآن وقد قضيت على الحية الملتوية،

الحية الملعونة ذات الرؤوس السبعة

الآن وقد اكتنفتك السماء بهالة من مجد

تذكر أيها الظافر أني إله الموت

أبقيت عليك .. لم أدخلك شدقي”

وقد ساعدته تقنية الحواشي على تعليق النصوص على جسد النص المنجم كالنياشين أو الأوسمة التي يعلقها الجندي بعد انتصاره/انهزامه في الحرب.

بالإضافة إلى تقنية الحواشي جعل المبدع الروابط تشتغل كما تقنية الطيارات وهي ملاحظات تظهر على النص المترابط لتحقق غايات متعددة تتلاقى عند الرغبة في توسيع النص، وتحقيق انتشاره باعتماد آليات التفسير، والتعقيب، والمعارضة، والتعليق فيتحقق الترابط ببعديه: البعد العلائقي والحركي.

2. اعتماد تقنية التناص كأوالية مولدة للنصوص حيث بني النص على تقاطعات قرآنية كما هو الحال قي العقدة السردية المعنونة بعتيق الرب التي تستحضر قصة الذبيحين: عبد الله أب الرسول محمد عليه الصلاة والسلام الذي أفتدي بمائة من الإبل، وإسماعيل عليه السلام مع أبيه النبي إبراهيم فقد رأى ميشع رؤيا فسرها الكاهن قائلا: ” لقد أمرك(الرب) بعماد الدم، وما أدراك بعماد الدم…عماد الدم ابنك البكر” هذه الرؤيا التي استجاب له الابن ثابتا:” يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الرب من الصابرين” هذا الرضوخ لرؤيا الأب وتصديقها كان من نتائجها افتداء كموش المعظم للابن بكبش عظيم.

كما بني على تناصات من الديانة اليهودية حيث ثم استحضار تابوت العهد وراية الحرب المسماة ” درفش كابيان” كما بني على تقاطعات مجتزأة من خطب، وأشعار ألقيت في الفتوحات الإسلامية أو في الثورات ضد المستعمر, وقد جعلت هذه التناصات فضاء النص عبارة عن خليط من معطيات، ومتتاليات، ومزيج من ثقافات، وأصداء لغوية تخترق النص لتجعل أهم خاصياته التعدد الدلالي، وتعدد الروافد التي ينهل منها، والظلال التي ترخي أستارها على النص محيلة ذاتيته إلى ذات غيرية ينبثق منها ذاك الآخر، ويطل مستندا على مبدأ التجاور، والتداخل، والتقاطع كمبدأ منظم لحضور النصوص وبروزها من قلب بعضها البعض. ليصبح النص المترابط ممثلا في ظلال العاشق أعلى أشكال التناص، والحوارية، والتفاعل من خلال الانفتاح العبر ثقافي والعبر تاريخي، والعبر الديني، والميثولوجي على معطيات وأزمنة لا تزال محافظة على فرادتها ونقائها الذي لم يمس، ليصبح النص الوصي بفضل هذه العلاقة كالمرايا التي تعكس أضواء وصورا شتى.

3. تطوير تقنيات البناء والعرض فبالنظر إلى ما راكمه المبدع “محمد سناجلة” من تجارب إبداعية تتقدم ظلال العاشق كتجربة فريدة تجمع بين البناء المشهدي الذي يتقدم فيها السرد كانجراف وبين البناء المتاهي المتداخل والمتشابك الذي يتيه وسطه المبحر في غياب خريطة توجهه وتقيه من التيه ليصبح السرد فيها مشهديا متاهيا، ولقد اعتمد في عرض هذا البناء التوليفي على طريقتين تتحكمان في طرائق القراءة هما:

1. العرض المشهدي المتاهي الذي ينطلق مباشرة بعد الزمن اللازم للتحميل، وتخلق الرواية والذي ينفتح على عقدة “عتيق الرب” التي تعتبر بمثابة نص الانطلاق أو النص الوصي الذي منه تنفلت بقية النصوص راسمة خيوط متاهة نجمية ذات مركز، ونواة متبدلة، ومتغيرة منها تنبثق النصوص، وتولد فتتكاثر، ثم إليها تعود وتنكمش وتضمحل لتكثف من جديد في النواة.

تمركز يحيل على كيفيات بناء نسيج الكون المترابط الذي تم عن طريق الانفجار الكبير، وحكاية بدء الخلق والتكوين، وعلى تلك “الذرة البدائية” الصغيرة التي انفجر منها الكون، وتمدد لتتسع أطرافه، وتتشعب أبعاده وتترامى بشكل مخروطي انقلابي يبتعد عن الأصل ليعود إليه ويضمحل! وهذا البناء المتاهي النجمي الذي تنتظم فيه النصوص على خيوط النسيج ينسجم وموضوع الرواية الذي يتحدث عن موضوعة بدء الخليقة، وعن التطور والنشوء وعن تاريخ الإنسان والكون منذ البدء إلى الآن حيث عمد المبدع إلى المماهاة بين شكل الرواية، وطريقة تبنينها، والموضوعات التي تخوض فيها، وبين الطريقة التي بدأت فيها الحياة على وجه الأرض، وطريقة خلق الأكوان والعوالم المعروفة والمجهولة وانتظامها كحبات خرز في خيط قصد الوصول إلى المطابقة التامة بين الشكل والمضمون في الرواية لتصير كونا كسمولوجيا متحدا كظل وأصل، يلبسه.

ويطابقه ثم ينفصل عنه في لحظة نورانية إشراقية. لذلك شكلت العقدة السردية المعنونة بعتيق الرب في هذا البناء والعرض المشهدي المتاهي المركز الذي تنطلق منه كل النصوص التي يصل عددها إلى خمسة هي: عتيق الرب ــ كموش في زمن الشجر ــ كموش في زمن العماء ــ كموش في حزنه ووحدته أو العاشق وحيدا ــ Game Over، التي يربط بينها ستون رابطا، تنضاف إليها أزرارالسابق التي يصل عددها إلى خمسة، وزر “اضغط هنا للتفاعل مع الرواية” الذي يفتحها على ترهين جديد قرا-كتابي ليصير المجموع الكلي ستة وستون رابطا تصنف كالتالي:

• الروابط العددية المشجرة التي تشتغل كالحواشي، أو الهوامش والطيارات المثبتة جميعها في عقدة عتيق الرب.

• الروابط التصويرية المشهدية المنفتحة كنوافذ مستقلة ينتقل منها إلى النص الوصي بكبس رمز الإغلاق.

• الروابط/ الحقائب الناقلة إلى نصوص أخرى تختلف من حيث طبيعتها: أيروتيكية، صوفية، مدح..

• الروابط/ الطيارات المنفتحة كنوافذ تجاور النص الوصي.

• روابط إعادة اللعبة/ القراءة وإيقافها والخروج منها لبدء التفاعل مع النص سواء أكان هذا التفاعل خارجيا(التعليق، مراسلة الكاتب، نقد الرواية) أو داخليا(المساهمة في كتابة الرواية الرقمية) والمتمثلة في رابط Yesو Noالمثبتين في عقدة النهاية/البداية Game Over المنظور إليها كخطاب تجنيسي فرعي يصنف الرواية ويدرجها ضمن ألعاب الفيديو الاستراتيجية، الحركية والاندماجية.

• الروابط/البوصلة هي روابط التصفح المتمثلة في الأزرار المشيرة إلى العقد السردية السابقة ودورها حماية المبحر من التيه وإرشاده في المتاهة إلى المخرج الذي يمكنه من مغادرة العقدة السردية الراهنة للرجوع إلى سابقتها لتلمس طرف الخيط الذي ضاع منه ومعاودة الإمساك به وإدارة دفة السفينة والإبحار من جديد. لذلك فهي روابط تنشئ علاقات يتعلق فيها النص السابق باللاحق، واللاحق بسابقه مع كل ما يحمل هذا التعلق، والتعالق الترابط نصي من دلالات وإشارات تداولية، ومن ثوابت بانية للنص المترابط تتأسس في مجملها على أبعاد رأسية، وأفقية تمنح للمبدع وللمبحر حرية التحرك والمناورة الحرة الاحتمالية للنصوص المتفرعة داخل فضاء الشاشة، والمستدعاة والمبنية على علاقات التفاعل، والتعالق النصي بما فيها من إحالة، وتحويل، ومعارضة، ثم تقويض وإعادة بناء المنسجمة مع جوهر الرواية التمردي، والتثويري، والتنويري.

ولا مندوحة من الإشارة إلى كون تصنيفات هذه الروابط ستختلف بحسب الوظائف التي تؤديها والمستشفة من طبيعة النصوص التي تؤمن المرور إليها.

2. العرض المشهدي المتاهي، والانتقائي

ترتكز صيغة العرض المشهدي، المتاهي، والانتقائي التي يقترحها المبدع تحت عنوان “قراءة أخرى مختلفة” على أربعة أزرار متجاورة هي:

زمن الشجر – الزمن العماء – وحيدا – عتيق الرب

تشكل خطا أفقيا مستقيما يمنح النصوص مرونة، ويحيلها كقطع الشطرنج التي يسهل نقلها على الرقعة بكل سهولة لتتحول القراءة إلى لعبة قائمة على الاختيار الحر المبني على الحدس الذي يتيح إمكانية تحقق قراءات متعددة تتم بالاطراد، أو بالعكس، والقفز، وبتنشيط أي من الروابط يتغير المركز النووي للمتاهة ليصبح هو عينه العقدة المنشطة.

إن التوليف بين البناء المتاهي الانتقائي الذي يعطي للمبحر إمكانية التحكم فيما يناور وإمكانية اختياره، وبين البناء المتاهي المشهدي الذي ينجرف فيه السرد عبر بنية التداعي في استراتيجية التوليد لصوغ عوالم روائية لعبية مُخاتِلة تستند على بتر خيط الحكاية ووصله، وتشتيت البناء داخل فضاء الشاشة وربطه وترابطه، ينجرف مقلصا من حرية المبحر في اختيار العقد السردية التي يرغب بمناورتها راميا إياه في قلب المتاهة وحيدا فينقر ويعيد النقر ليكتشف الحكاية ويكشف خيوطها وليختط معالم سرد يستقيم بنيانه ومخياله المضلع ما بين أنمل ونقرة يجعل “ظلال العاشق” ذات النصوص المورقة، والمتشعبة، الافتراضية، والمحتملة تهتم بصنعة الرواية الرقمية منتصرة للجديد في الطرائق الفنية التي تسرد التقنية المستدعاة والموظفة لتحريك النص، وتوضيبه، ومشهدته، وتنوعيه وتسخرها لتجعل الرواية تتحرك وسط مكر الازدواج، والقلب؛ ازدواجية البناء وازدواجية القراءة ومرونة التقلب بين الطرفين اللذين يجعلانها تينع وتنتشر وتحقق اللذة التي تجعلك تشعر بأنك أمام الكتاب/المكتبة، أمام ذاك الإنجاز العظيم المتولد من قلب الباروديا، والمعارضة.

إن اهتمام المبدع بصنعة الرواية يتبدى جليا كما أسلفنا في تقنية الازدواج والقلب التي جعلته يختار شكل المتاهة النجمية ذات المركز الذي تختفي وسطه الحكاية، والواقع أن هذا المركز يشكل في الوقت ذاته المخرج الذي يساعدنا على الخروج من وسط المتاهة سالمين.

والتقنية المزدوجة الموظفة من قبل المبدع تجعلنا نعتقد أن هذه المتاهة يسهل فكها لنجد أنفسنا في النهاية أمام متاهة أحادية المسار؛ أمام خط مستقيم. وهذا ما يشير إليه المبدع حينما اقترح علينا قراءة ثانية تتخذ شكل خط مستقيم كأنه يخاطبنا قائلا: المتاهة لا تخيف، انظروا إن خطها مستقيم كخيط “أريان” العجيب، ولعل هذا ما دفعه في خطابه المقدماتي الموارب إلى القول: “(…) إنها رواية جديدة تظهر، عمل آخر مختلف متمرد، ومفتون لا أعرف ما هو بدأ بالتشكل ككائن أسطوري يخرج من قلب الرماد” لذا فالمتاهة لا تخيف لأن ما يخيف حقا هو: حكاية الحكاية لهذا اختار المتاهة الأحادية المسار وابتعد عن المتاهة المتعددة المليئة بالمنعطفات، والتعرجات حتى يتمكن المبحر من عبور المتاهة وفضح هشاشة معتقداته، وتناقضات إيديولوجياته، وفظاعة إنجازاته، وكبائر مخاوفه، وعظائم مقاتله، ثم يخرج بعد المواجهة سليما معافى ولا يظل حبيس المتاهة مع أخطائه وخطاياه كــ “المينوتور”.

لقد كانت هذه بعض من ملاحظات سجلت على هامش ذاك الإبحار الاستطلاعي، والجولة الاستكشافية التي قمنا بها داخل متاهة ظلال العاشق والتي دخلناها ونحن نمسك بالخيط وخرجنا كذاك خوفا من الضياع داخل هذه العوالم المتداخلة، والمتوازية.

عن ميدل ايست اونلاينlabibah

ناقدة وباحثة مغربية.

 

«ظلال العاشق» من الانبهار إلى السؤال الأدبي

يناير 23rd, 2016 كتبه

بقلم: د. زهور كرام

يستمر الكاتب الأردني محمد سناجلة في تجريب الوسيط التكنولوجي من خلال جعله وساطة تقنية ومعرفية لتشييد الفعل الرمزي، بإطلاقه مع بداية 2016 عمله الرقمي الجديد «ظلال العاشق».
شكلت تجاربه الأولى خاصة مع « الشات» و«صقيع» بداية خلخلة التفكير في هوية النص الأدبي، واقتراح أنظمة مُغايرة للشكل الأدبي، عبر ما اصطلح عليه بـ»الأدب الرقمي». تزامن إطلاق تلك التجارب الإبداعية، مع بداية الانشغال النقدي الأدبي العربي بمختلف المفاهيم التي تُحيط بالأدب الرقمي، من ترابطي وتفاعلي وشبكي، وغير ذلك من المصطلحات التي بدأت تتسرب إلى التفكير النقدي العربي تدريجيا مع بداية الاهتمام بالوسائط التكنولوجية، إذ وُضعت كتبٌ، بعضها كان يُجرب الكتابة في هذا الموضوع، فكان يمثل بذلك تجربة جديدة في التفكير في تحولات النص الأدبي، والبعض الآخر اهتم بسؤال تطور الأدب مع الوسيط التكنولوجي، فوفَر للمشهد الثقافي العربي دراسات وكتبا معرفية تبحث في زمن تحولات النص الأدبي، من خلال تجربة النص الرقمي. غير أن الإشكالية التي ظلت تُرافق هذه التجربة، وجعلتها تخضع إما إلى اصطدام كبير بين المؤيدين لهذا النوع من التعبير والمُعارضين له، أو حولتها إلى موضوع مُلتبس، يعرف الضبابية أكثر من الوضوح في خطابها، عطَلت عملية تخصيب الشرط الموضوعي لانتعاش ثقافة «الأدب الرقمي». فعلى الرغم من بداية انخراط الدرس الجامعي، والبحث العلمي في قضايا الأدب الرقمي، وحماس الطلبة والباحثين للدخول في أسئلة هذا الموضوع علميا ومعرفيا، وهي مسألة مهمة، وجديرة بالملاحظة والاهتمام، وظهور الكثير من المقالات والدراسات حول الأدب الرقمي، فإن خللا منهجيا ومعرفيا ما يزال يُرافق هذا النوع من التعبير، وغموضا يُلاحقه، ويجعله يتعثر في عملية تحققه، مما يتطلب طرح أسئلة جوهرية حوله، وحول السياق العربي الذي لم يتمكن من خلق الشرط المعرفي لإنتاج النصوص الأدبية الرقمية؛ لأن الوعي بتحولات النص الأدبي، والإقبال على فهم هذه التحولات، يتطلب تراكما نصيا للتجربة الجديدة للأدب، إذ، في غياب التراكم، يظل التفكير محكوما عليه، إما باستهلاك ما هو نظري عام مما يُعقد الفهم، أو باعتماد تجارب نصية خارج تجربة السياق العربي؛ لأن تحديد منطق اشتغال الأدب مع شكله الجديد، يبدأ من تحققه نصيا، وتحليل خطابه ومكوناته، والوقوف عند نظامه الجديد في ترتيب عناصره؛ لهذا، لا يستطيع نصٌ واحدٌ- أو قليلٌ من النصوص- أن يُحقق الوعي بهذا التحول.
إن النقد خطابٌ وصفي يتأسس على خطاب رمزي قائم بذاته ولذاته، وهذا الخطاب الرمزي هو الذي يُنتج إمكانيات إدراكه؛ قد يتعطل اكتشاف منطق الخطاب الرمزي الجديد عندما يكون الخطاب النقدي مُتخلفا عن زمن المُسايرة الأدبية، بفعل تراجع الفكر الفلسفي، أو تأخر المناهج الأدبية، غير أن النقد قد يتدارك الأمر، ويُعيد التصالح مع جديد الأدب، بالاقتراب منه وفق شروط القراءة الواعية، فتحدث الدهشة، ويتحقق الاكتشاف، وتتطور نظرية الأدب وتغتني بجديده وهو يتحرك في مساحات أكثر وأبنية أكبر، غير أن الخلل يظل قائما في حال ضعف التراكم النصي، الذي لن تُغنيه الدراسات. قد يقول قائلٌ، إن الأدب يتم التفكير فيه في وحدته الإنسانية، وبالتالي فإن التجارب الغربية في النص الرقمي قد تتحول إلى أرضية خصبة للتفكير في التجربة العربية التي لم تعرف بعد تراكما مهما في التعبير الأدبي الرقمي، إنها ملاحظة تسري على الأدب عندما تكون هناك إٍرهاصات مُحققة سابقا، وبنسب متفاوتة في سياقات مختلفة، لكن بالنسبة لتجربة الأدب الرقمي في المشهد العربي فإنها تعرف تعثرا ملحوظا ليس في مستوى التفكير فيه، إنما في مستوى التعبير به. ولهذا، يعد سؤال البحث عن أسباب هذا التعثر في الإنتاج الرقمي في الممارسة العربية من أهم مداخل التفكير، ليس فقط في التعبير الرمزي، إنما في موقع التكنولوجيا في الحياة والفكر العربيين.
لا شك أن المبدع الأردني محمد سناجلة بوفائه لهذا النوع من التعبير، ودفاعه عنه، واستمراره في البحث عن تطوير الكتابة من خلاله، وعقد التواصل المستمر معه، قد ربح الرهان، باعتباره من الأصوات العربية التي غامرت في غير المألوف الأدبي، إلى جانب أسماء عربية قليلة مثل الكاتب المغربي محمد اشويكة، غير أن تدبير هذا الأدب في التجربة العربية يحتاج إلى أسئلة جوهرية تُرافقه، بعيدا عن خطابات المجاملة والانبهار، واختيار موقع الانتظار، بالانخراط المسؤول في هذا النوع الإبداعي- الفني تحليلا وتفكيرا وطرحا لأسئلة جريئة حول قدرته على الارتقاء بالتعبير الإنساني من جهة، وموقعه في نظرية الأدب، ومدى قدرة لغاته الرقمية على بناء النص، من دون خدش جوهر الأدب، والوعي بطبيعة المزج بين التكنولوجيا والإبداع، والتساؤل حول الثقافة الجديدة في التعبير الإبداعي. لا يقف الأمر عند مجرد إطلاق تجربة نص رقمي، وإعلان الدهشة والانبهار، بقدر ما يحتاج الأمر إلى جرأة التفكير المعرفي حول هذا النوع من ثقافة التعبير، ومرافقتها بالتحليل والقراءة ضمن المعرفة الأدبية. تُشكل التجربة الجديدة «ظلال العاشق التاريخ السري لكموش» (2016) للكاتب الأردني محمد سناجلة، فرصة مهمة لإعادة النقاش المسؤول حول هذا النوع التعبيري الرمزي، من داخل نظرية الأدب، وليس من خارجها. وإذا كانت تجربة «ظلال العاشق» قد استفادت في كتابتها من الفنون الرقمية المتعددة، إضافة إلى تقنية الرابط والصوت والحركة والإخراج السينمائي والموسيقى، فإنها تضعنا أمام أسئلة متشابكة الحقول.
بعيدا عن تحليل خطاب هذا العمل الذي يتبنى الوسيط الرقمي بتصنيفات متعددة لبناء حكاية «ظلال العاشق»، فإن الوضعية البنائية لهذا النص، تطرح أسئلة على وضعية القراءة في التجربة العربية، وهل تم تكوين ثقافة رقمية، قادرة على الاقتراب من هذه التجربة بعلمية ومعرفة، بعيدا عن مشاعر الدهشة والانبهار؟ ألا تحتاج ثقافة القراءة الرقمية إلى تدبير تعليمي- بيداغوجي، يجعل الثقافة التكنولوجية تكوينا علميا في مختلف المؤسسات التعليمية والجامعية، وليس فقط في المؤسسات ذات الطابع العلمي المحض؟ ألا تدفع مثل هذه الأعمال الرقمية إلى إدخال التخصصات التكنولوجية إلى برامج التعليم الجامعي في كليات الآداب والعلوم الإنسانية؟ ألا تدعو هذه التجارب الأدبية التي تتحقق بشراكة مع الفن والتكنولوجيا إلى إعادة النقاش حول مفهوم الأدب أولا، ثم مفهوم قراءته ثانيا؟ وهل يعود سبب ضعف التراكم في تجربة الأدب الرقمي عربيا إلى ضعف الثقافة الرقمية إنتاجا؟ أم نقرأ من نسبة التراكم صعوبة تحقيق هذا التعبير في التجربة العربية؟ أم أن الإبداع العربي ما يزال مُرتبطا بثقافة التعبير عبر الإبداع الورقي، باعتبارها الإمكانية المُؤهلة لتصريف تعبيراته الرمزية؟ أم يعود ذلك إلى صعوبة انتقال الثقافة التكنولوجية إلى وسائط خدماتية في الممارسة العربية، ومساهمتها في إنتاج التحولات الذهنية والاجتماعية والاقتصادية؟ وكيف نقرأ تعدد الدراسات حول الأدب الرقمي مُقارنة مع ضعف النصوص الرقمية في التجربة العربية؟ تلك مجموعة من الأسئلة التي يطرحها إطلاق النص الرقمي الجديد «ظلال العاشق- التاريخ السري لكموش» للكاتب الأردني محمد سناجلة، الذي- من المفترض- أن يُجدد النقاش حول قضايا ذات علاقة بموقع التكنولوجيا في الحياة العامة عند الفرد العربي من جهة، ومن جهة ثانية وضعية هذا التعبير في حياة الأدب في المشهد العربي.

روائية وناقدة مغربية111111

رواية ظلال العاشق - الموقع التفاعلي - محمد سناجلة - © 2017